بالمساجد، قد يتكلف نصف مليون أو مليونا من الجنيهات أو الدولارات، فإذا طالبته ببذل مثل هذا المبلغ أو نصفه أو نصف نصفه في نشر الدعوة إلى الإسلام، أو مقاومة الكفر والإلحاد، أو في تأييد العمل الإسلامي لإقامة الحكم بما أنزل الله، أو نحو ذلك من الأهداف الكبيرة التي قد تجد الرجال ولا تجد المال، فهيهات أن تجد أُذُنا صاغية، أو إجابة ملبية، لأنهم يؤمنون ببناء الأحجار ولا يؤمنون ببناء الرجال!
وفي موسم الحج من كل عام أرى أعدادا غفيرة من المسلمين الموسرين يحرصون على شهود الموسم متطوعين، وكثيرا ما يضيفون إليه العمرة في رمضان، وينفقون في ذلك عن سخاء، وقد يصطحبون معهم أناسا من الفقراء على نفقتهم، وما كلف الله بالحج هؤلاء، فإذا طالبتهم ببذل هذه النفقات السنوية ذاتها لمقاومة الغزو التنصيري في إندونيسيا، أو الغزو الشيوعي في أفغانستان، لوّوا رؤوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون.
هذا مع أن الثابت بوضوح في القرآن الكريم أن جنس أعمال الجهاد أفضل من جنس أعمال الحج، كما قال تعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ. يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ} [التوبة: 19 - 21] .
هذا مع أن حجهم واعتمارهم من باب التطوع والتنفل، أما جهاد الكفر والإلحاد والعلمانية والتحلل، وما يسندها من قوى داخلية وخارجية، فهو الآن فريضة العصر، وواجب اليوم.
ولقد رأيت شباب مخلصين كانوا يدرسون في كليات جامعية في الطب، أو الهندسة، أو الزراعة، أو الآداب، أو غيرها من الكليات النظرية، أو العلمية، وكانوا من الناجحين، بل المتفوقين فيها، فما لبثوا إلا أن أداروا ظهورهم لكلياتهم، وودعوها غير آسفين، بحجة التفرغ للدعوة والإرشاد والتبليغ، مع أن