فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 161

وروى ابن مسعود مرفوعا: «نَضَّرَ اللهُ اِمْرَءًا سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَهُ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ» (1) .

وعن زيد بن أرقم مرفوعا: «نَضَّرَ اللهُ اِمْرَءًا سَمِعَ مِنَّا حَدِيْثًا فَبَلَّغَهُ غَيْرَهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيْهٍ» (2) .

وهذه الأحاديث وما في معناها هي التي جعلت الصحابة - رضي الله عنهم - يحرصون على تبليغ ما يحملون في صدورهم من علم النبوة، حتى إن أبا ذر نهاه الخليفة الثالث عثمان عن الفتيا، ولكنه - رغم إيمانه بوجوب طاعة الإمام - رأى أن طاعته في هذا الأمر خاصة غير ملزمة، لأن أمر الرسول بالتبليغ أقوى من هي الإمام عن الفتيا.

ولما اجتمع عليه الناس في موسم الحج يستفتونه وقف عليه رجل من قريش، ثم قال له: ألم تُنْهَ عن الفتيا؟

فرفع رأسه إليه فقال: أرقيبٌ أنت عليّ؟ لو وضعتم الصمصامة (يعني: السيف الصارم الذي لا ينثني) على هذه - وأشار إلى قفاه - ثم طننت أني أنفذ كلمة سمعتها من النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل أن تجيزوا عليّ لأنفذتها (3) .

ويقوى موقف أبي ذر: الآيات والأحاديث التي حذرت أبلغ التحذير من كتمان العلم، واحتجازه عمن ينتفع به من الناس، وخصوصا عند الطلب والسؤال.

وكان أبو هريرة - رضي الله عنه - يقول: إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة، ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثتُ حديثا، ثم يتلو: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ

(1) رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، وابن حبان في صحيحه. ومعنى نَضَّرَهُ: جمّله وزيّنه، من النضرة، وهي البهجة والحسن، كما في الترغيب حديث 150.

(2) رواه ابن حبان في صحيحه، والبيهقي، كما في الترغيب حديث رقم (5) ، وله شاهد من حديث جبير بن مطعم عند أحمد، وابن ماجه والطبراني، الترغيب (153) .

(3) رواه البخاري معلقا في كتاب العلم من صحيحه. وقال الحافظ في الفتح (1/ 170) : ورويناه موصولا في مسند الدارمي وفي الحلية. ومعلوم أن ما علقه البخاري بصيغة الجزم له حكم الصحة لدى جمهور العلماء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت