بشروطها وأركانها وكيفيتها، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
فإذا قصر الأب أو الولي في تعليم من ولاه الله رعايته، ولم يعفه ذلك من وجوب التعلم وطلب العلم المفروض عليه، حين يبلغ الحلم، ويتحمل مسؤولية نفسه، فقد رفع القلم عن الصبي حتى يبلغ.
يقول الإمام أبو محمد بن حزم بعد أن بيّن ما يلزم كل مسلم ومسلمة تعلمه من الطهارة والصلاة والصيام، وما يحل له ويحرم عليه من المآكل، والمشارب، والملابس، والفروج، والدماء، والأقوال، والأعمال.
"فهذا كله لا يسع جهله أحدا من الناس، ذكورهم وإناثهم، أحرارهم وعبيدهم وإماؤهم، وفرض عليهم أن يأخذوا في تعلم ذلك من حين يبلغون الحلم، وهم مسلمون أو من حين يسلمون بعد بلوغهم الحلم .."
قال: ويجبر الإمام (رئيس الدولة) أزواج النساء، وسادات الأرقاء، على تعليمهم ما ذكرنا، إما بأنفسهم، وإما بالإباحة لهم لقاء من يعلمهم، وفرض على الإمام أن يأخذ الناس بذلك، وأن يرتب أقواما بتعليم الجهال" (1) ."
وهذا القدر يجب أن يتعلمه المسلم بلغته التي يحسنها، ولكن يجب عليه أن يتعلم من العربية ما يتلو به أم القرآن في صلاته، وما يقرأ به من الآيات، وما تقوم به الصلاة من التكبيرات والتسبيحات والسلام، وما يفهم به الأذان والإقامة ونحوها. ومن لم يجد هذا القدر اللازم تعلمه موفورا في بلده، وجب عليه أن يرحل في طلبه حتى يتعلمه من أهله ولو بالصين.
على أن هذا القدر الواجب تعلمه إنما يمثل الحد الأدنى لمعرفة المسلم بدينه في كل بيئة وكل حال، ثم هو يتسع ويزداد حسب الأحوال والموجبات الخاصة أو العامة، فالفقير لا يجب عليه أن يتعلم تفاصيل أحكام الزكاة، إلا أن يتعلم ما يباح له أخذه من مالها، إنما يجب عليه أن يتعلم أحكامها إذا ملك مالا تجب فيه الزكاة.
(1) انظر: الأحكام في أصول الأحكام لابن حزم - الباب الحادي والثلاثون: في صفة التفقه في الدين، وما يلزم كل امرئ طلبه من دينه ص 69 ط. مطبعة الإمام بالقاهرة.