فهرس الكتاب
وحسبنا الفرق الأول، وهو - عند الأكثرين - مؤثر وكاف؛ وإن بالغوا في تصوير (النرد) بأن معتمده الحظ وحده؛ إذ الواقع أن فيه مجالا غير قليل للعقل والتفكير، ولذا نجد الأذكياء يتبارون في هذه اللعبة (الطاولة) ويقضون معها الساعات الطوال، فهي من هذا الوجه تشبه الشطرنج.
والقول بأنه يصد عن ذكر الله وعن الصلاة غير مُسلّم أيضًا، ما دام من يقول بإباحته يقيدها بشرط ألا يشغله عن الصلاة، أو أي واجب آخر ديني أو دنيوي.
وكثير من المباحات إذا استرسل الإنسان فيها، وخصوصًا المحببة منها إلى النفس، تشغل وتلهي عن ذكر الله، وعن الصلاة، وعن الواجبات، إذا لم يكن المسلم نير البصيرة، قوي الإرادة، ولكن هذا لا يجعلها محظورة بإطلاق، بل تباح بقيد عدم الإسراف فيها والاشتغال بها عما أوجب الله عليه.
فلو أن مسلمًا كان في إجازة ولديه فراغ وقت، فخصص للعب به وقتًا معينًا ليس فيه صلاة مفروضة كوقت الضحى - من التاسعة إلى الحادية عشرة مثلا - لم يكن في ذلك منع ولا تحريم، لا سيما أن بعض الناس يشتغل بها عن الغيبة والقيل والقال، مما يأكل الحسنات، كما تأكل النار الحطب.
وكم تأتي على الإنسان ظروف لا يجد فيها ما يشغل فراغه، إلا مثل هذا النوع من اللهو. وقد جربنا هذا في بعض الأوقات العصيبة، التي مرت بنا في المعتقلات"سنة 1954 - 1956 م"؛ فقد أُخذت منا الكتب والأوراق والأقلام ثم أخذت المصاحف، ولم يبق معنا شيء نشغل وقتنا به، وهو يمضي بطيئًا ثقيلًا، فكل يوم كأنه شهر أو دهر، وبخاصة من كان له زوجة أو أولاد تركهم ولا يدري عنهم شيئًا، كما لا يدرون عنه شيئًا، فبأي شيء يشتغل هؤلاء المحبوسون المظلومون؟
لا يمكن أن تكلف الناس أن يظلوا صباحهم ومساءهم: مسبحين مهللين مكبرين؛ فالنفس البشرية لها طاقة، و {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] .