وبعضهم أضاف إلى المقامرة أمورًا أخرى، كل واحد منها كافٍ لإسقاط عدالته، كأن تفوته بسبب الاشتغال به الصلاة، أو يكثر من الأيمان الكاذبة عليه، أو يلعب به في الطريق لمخالفته للمروءة، أو يذكر عليه فسقًا، أو يدمنه ويداوم عليه (1) .
قال في"الهداية": (فأما مجرد اللعب بالشطرنج فليس بفسق مانع من الشهادة؛ لأن للاجتهاد فيه مساغًا) (2) .
ولما قرن متن"الكنز"بين النرد والشطرنج في أن من يقامر بهما أو تفوته بسببهما الصلاة ترد شهادته، قال شارحه ابن نجيم في"البحر": (ظاهر تقييده بما ذكر: استواء النرد والشطرنج، وليس كذلك فإن اللعب بالنرد مبطل للعدالة مطلقًا، كما في"العناية"وغيرها، للإجماع على حرمته، بخلاف الشطرنج؛ لأن للاجتهاد فيه مساغا؛ لقول مالك والشافعي بإباحته، وهو مروي عن أبي يوسف، كما في"المجتبى"من الحظر والإباحة، واختارها ابن الشحنة إذا كان لإحضار الذهن، واختار أبو زيد الحكيم حله، ذكره شمس الأئمة السرخسي(3) .
وفي مذهب مالك نجد الإمام ابن رشد"الجد"ينقل عن العتيبية"في"البيان والتحصيل": (سئل مالك عن اللعب بالشطرنج فقال: لا خير فيه وليس بشيء وهو من الباطل، واللعب كله من الباطل، لينبغي لذي العقل أن تنهاه اللحية والشيب والسن عن الباطل، وقد قال عمر بن الخطاب لأسلم في شيء: أما آن أن تنهاك لحيتك هذه؟ قال أسلم: فمكثت زمانًا طويلًا وأنا أظن أن ستنهاني) (4) ."
(1) نظر: الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه (4/ 383) ط بيروت- مصورة عن ط بولاق.
(2) الهداية مع فتح القدير (6/ 38) .
(3) قلت: لم ينعقد الإجماع على تحريم النرد، فهناك من كرهها، وهناك من رخّص اللعب بها على غير قمار، ومنهم: ابن مغفل وابن المسيب. وقد ذكرنا ذلك سابقا (انظر ص 90 من هذا الكتاب) ، وفي كتابنا:"الحلال والحرام"، فليراجع.
(4) البحر الرائق شرح كنز الدقائق (7/ 91) .
(5) البيان والتحصيل (18/ 436) .