فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 154

والمثل الإنساني الأعلى، والأسوة الإنسانية المثلى، في ذلك هو الرسول الخاتم محمد، فقد كانت حياته - صلى الله عليه وسلم - مثالا رائعا للحياة الإنسانية المتكاملة: فهو في خلوته يصلي ويطيل الخشوع والبكاء حتى تتورم قدماه، وهو في الحق لا يبالي بأحد في جنب الله، ولكنه مع الحياة والناس بشر سوِّي، يحب الطيبات، ويبش ويبتسم، ويداعب ويمزح، ولا يقول إلا حقا.

كان - صلى الله عليه وسلم - يحب السرور وما يجلبه، ويكره الحزن وما يدفع إليه من ديون ومتاعب، ويستعيذ بالله من شره، ويقول: «اَللَّهُمَّ إِنِّيْ أَعُوْذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ» (1) .

وما يروى عنه من قوله - صلى الله عليه وسلم: «لَسْتُ مِنْ دَدٍ، وَلَا الدَّدُ مِنِّي» (2) والدد: اللهو واللعب، فهو حديث ضعيف، لا يبنى عليه حكم. على أنه لو سلم بثبوته لكان معناه: أن أعباء الرسالة، وهموم الدعوة والأمة، وإقامة دين الله في الأرض، ومواجهة الجبهات المعادية لدعوته من الوثنيين واليهود والمنافقين وغيرهم، لم تترك له مجالا للهو في حياته. وهذا لا يستلزم تحريم اللهو واللعب. وهذا كما يقول أحدنا: أنا لا أعرف الإجازات، فلا يعني هذا: أن الإجازات محظورة، ولكن معناه أن ظروفه لا تسمح بالإجازات.

ولذا رد العلامة المناوي على من استدل بالحديث على تحريم الغناء ونحوه مثل القرطبي، قال: وهذا ليس بسديد، إذ ليس كل لعب ولهو محرما، بدليل لعب الحبشة بمسجد المصطفى - صلى الله عليه وسلم - بمشهده (3) .

(1) رواه البخاري في كتاب الدعوات [6376] من حديث أنس: أنه كان يستعيذ بالله من جملة أمور، منها: الهم والحزن.

(2) رواه البخاري في الأدب المفرد، والبيهقي في السنن عن أنس؛ والطبراني في الكبير عن معاوية، ورواه ابن عساكر والطبراني والبزار عن أنس بزيادة: «وَلَسْتُ مِنَ الْبَاطِلِ، وَلَا الْبَاطِلُ مِنِّيْ» وقد ذكرهما الألباني في ضعيف الجامع الصغير [4676، 4677] .

(3) فيض القدير (5/ 265) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت