فهرس الكتاب
لا بد للإنسان ولحياته من امتزاج الدين بالدنيا، والروحانية بالمادية، والإقرار بحق الرب مع الاعتراف بحظ النفس، ليعلم الناس أن في هذا الدين فُسحة، وأن نبيّه بُعث بحنفية سمحة.
يقول حجة الإسلام الغزالي معلقا على قول الإمام الشافعي - رحمه الله - عن الغناء: إنه لهو مكروه يشبه الباطل: (فقوله:"لهو"، صحيح. ولكن اللهو - من حيث إنه لهو - ليس بحرام. فلعب الحبشة ورقصهم لهو، وقد كان - صلى الله عليه وسلم - ينظر إليه ولا يكرهه. بل اللهو واللغو لا يؤاخذ الله تعالى به، إن عني به أنه فعل ما لا فائدة فيه. فالإنسان لو وظّف على نفسه أن يضع يده على رأسه في اليوم مائة مرة، فهذا عبث لا فائدة له ولا يحرم. قال الله تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} [البقرة: 225] ، فإذا كان ذكر اسم الله تعالى على الشيء على طريق القسم من غير طريق عقد عليه ولا تصميم، والمخالفة فيه - مع أنه لا فائدة فيه - لا يُؤاخذ به، فكيف يُؤاخذ به بالشعر والرقص؟!
وأما قوله:"يُشْبِهُ الْبَاطِلَ"، فهذا لا يدل على اعتقاد تحريمه، بل لو قال: هو باطل صريحًا، لَمَا دل على التحريم، وإنما يدل على خلوّه عن الفائدة، فالباطل ما لا فائدة فيه. فقول الرجل لامرأته - مثلًا: بِعْتُ نفسي منكِ! وقولها: اشتريتُ! عقد باطلٌ مهما كان القصد اللعب والمطايبة، وليس بحرام، إلا إذا قصد به التمليك المحقق، منع الشرع منه.
وأما قوله:"مكروه"فَيُنَزَّل على بعض المواضع التي ذكرتها لك، أو يُنَزّل على التنزيه، فإنه نص على إباحة لعب الشطرنج، وذكر: إني أكره لعبه، وتعليله، يدل عليه، فإنه قال: ليس ذلك من عادة ذوي الدين والمروءة. فهذا يدل على التنزيه. وردّه الشهادة بالمواظبة عليه، لا يدل على تحريمه أيضًا، بل قد تُرَدّ الشهادة بالأكل في السوق وما يخدش المروءة، بل الحِياكة مباحة، وليست من صنائع ذوي المروءة. وقد تُرَد شهادة المحترف بالحرفة الخسيسة، فتعليله يدل على أنه أراد بالكراهةِ: التنزيهَ، وهذا هو الظن أيضًا بغيره من كبار الأئمة، وإن أرادوا: التحريمَ، فما ذكرناه حجة عليهم (1) . انتهى.
(1) الإحياء للغزالي (2/ 284) .