فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 154

والمبالغة هي التي يُخشى من ورائها الإلهاء عن الأعباء، أو تجريء السفهاء، أو إغضاب الأصدقاء، ولعل هذا المراد من حديث: «لَا تُمَارِ أَخَاكَ وَلَا تُمَازِحُهُ» (1) . وإن كان في الحديث ضعف.

فالمبالغة في المزاح كالمماراة، كلتاهما تؤدي إلى إيغار الصدور.

وقال سعيد بن العاص لابنه:"اقتصد في مزاحك، فالإفراط فيه يذهب البهاء، ويجرئ عليك السفهاء، وتركه يقبض المؤانسين، ويوحش المخالطين" (2) .

وخير الأمور هو الوسط دائمًا، وهو نهج الإسلام وخصيصته الكبرى، ومناط فضل أمته على غيرها. وهو الصراط المستقيم الذي ندعو الله أن يهدينا إليه، ويثبتنا عليه في الأقوال والآراء والأعمال والمواقف، اللهم آمين.

ويحسن بي: أن أضيف هنا سطورا مما كتبته عن فن الفكاهة والمرح أو (الكوميديا) كما يسمونها اليوم، في رسالتي عن (الإسلام والفن) وفيها:

الحياة رحلة شاقة، حافلة بالمتاعب والآلام، ولا يسلم امرؤ فيها من تجرع لون أو أ لوان من غصصها، ومكابدة آلامها، وإن وُلِد وفي فمه ملعقة من ذهب، كما يقولون.

وقد أشار القرآن إلى ذلك حين قال: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} [البلد: 4] .

وأهل الإيمان أكثر تعرضا لبلاء الدنيا من غيرهم، نظرا لخطورة مطلبهم، من ناحية، وكثرة من يعارضهم ويقطع عليهم طريقهم من ناحية أخرى.

حتى ورد في بعض الآثار:"المؤمن بين خمس شدائد: مسلم يَحسده، ومنافق يَبغضه، وكافر يُقاتله، وشيطان يُضله، ونفس تُنازعه" (3) .

(1) رواه الترمذي (1995) والبخاري في الأدب المفرد (394) عن ابن عباس، وضعفه الألباني في"ضعيف الأدب المفرد" (59) .

(2) فيض القدير (3/ 13) بلفظ: قال حكيم لابنه: يا بني اقتصد في مزاحك، فالإفراط فيه يذهب البهاء، ويجرئ عليك السفهاء، والتقصير فيه نقص بالمؤانسين، وتوحش بالمخالطين.

(3) أورده الغزالي في الإحياء وقال الحافظ العراقي: رواه أبو بكر بن لال في مكارم الأخلاق من حديث أنس بسند ضعيف (3/ 80) . وانظر أيضا: الفردوس بمأثور الخطاب (4/ 176) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت