الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 480
تَخْتَلِفُونَ (164)
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ جمع خليفة أي يخلف بعضكم بعضا فيها وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ بالمال والجاه وغير ذلك لِيَبْلُوَكُمْ ليختبركم فِي ما آتاكُمْ أي أعطاكم إياه ليظهر المطيع منكم والعاصي إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ لمن عصاه وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ للمؤمنين رَحِيمٌ (165) بهم.
والمد زيد ثالثا في الواحد ... همزا يرى في مثل كالقلائد
اهـ شيخنا.
وفي القرطبي: والخلائف جمع خليفة ككرائم جمع كريمة، وكل من جاء بعد من مضى فهو خليفة اهـ.
وفي المصباح: والخليفة أصله خليف بغير هاء، لأنه بمعنى الفاعل دخلته الهاء للمبالغة كعلامة ونسابة، ويكون وصفا للرجل خاصة. ويقال: خليفة آخر بالتذكير، ومنهم من يقول خليفة أخرى بالتأنيث، ويجمع باعتبار أصله على خلفاء، مثل: شريف وشرفاء، وباعتبار اللفظ على خلائف اهـ.
قوله: وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ الخ يعني أنه تعالى خالف بين أحوال عباده، فجعل منهم الحسن والقبيح والغني والفقير والشريف والوضيع والعالم والجاهل والقوي والضعيف. وهذا التفاوت ليس لأجل العجز عن المساواة بينهم أو الجهل أو البخل، فإنه منزه عن ذلك، وإنما هو لأجل الابتلاء، والامتحان، وهو قوله: لِيَبْلُوَكُمْ الخ أي: ليعاملكم معاملة المبتلي والمختبر، وهو أعلم بأحوال عباده منهم اهـ خازن.
قوله: (و غير ذلك) كالشرف والقوة. قوله: (أعطاكم) أي من المال والجاه والفقر أيكم يشكر وأيكم يصبر اهـ كرخي.
قوله: سَرِيعُ الْعِقابِ (لمن عصاه) أي لأن ما هو آت قريب أو سريع التمام عند إرادته تعالى لتعاليه عن استعمال المبادي والآلات. والمعنى: سريع العقاب إذا جاء وقته فلا يرد كيف قال سريع العقاب، مع أنه حليم والحليم هو الذي لا يعجل بالعقوبة على من عصاه. وقال هنا: باللام في الجملة الثانية فقط. وقاله في الأعراف: باللام المؤكدة في الجملتين لأن ما هنا وقع بعد قوله: مَنْ جاءَ الخ وقوله: وَهُوَ الَّذِي فأتى باللام المؤكدة في الجملة الثانية فقط ترجيحا للغفران على سرعة العقاب، وما هناك وقع بعد قوله وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ [الأعراف: 165] ، وقوله: كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ [البقرة: 65 والأعراف: 166] فأتى باللام في الجملة الأولى لمناسبة ما قبلها، وفي الثانية تبعا للام في الأولى اهـ كرخي.
قوله: وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ جعل خبر إن في هذه الآية من الصفات الذاتية الواردة على بناء المبالغة وأكده باللام، وجعل خبر إن السابقة صفة جارية على غير من هي له للتنبيه على أنه تعالى غفور رحيم بالذات مبالغ فيهما، وعلى أنه معاقب بالعرض مسامح في العقوبة اهـ أبو السعود.
وقوله: بالذات يعني أن مغفرته ورحمته لا تتوقف على شيء. وقوله: بالعرض يعني أن عقابه لا يكون إلا بعد صدور ذنب، فهذا معنى الذات والعرض اهـ شهاب.
بعونه تعالى تم الجزء الثاني من الفتوحات الإلهية ويليه الجزء الثالث وأوله سورة الأعراف.