الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 7
ساجِدِينَ (4) جمع بالياء والنون للوصف بالسجود الذي هو من صفات العقلاء
قالَ يا بُنَيَّ لا الأسباب سببا للسلامة من المكروه كما جعل الصدقة سببا لوقاية المال. قال الحكماء: لأن الرؤية الرديئة يظهر تعبيرها عن قريب، والرؤية الجيدة إنما يظهر تعبيرها بعد حين. قالوا: والسبب فيه أن رحمة اللّه تقتضي أن لا يحصل الإعلام بوصول الشر إلا عند قرب وصوله حتى يكون الحزن والغم أقل، وأما الإعلام بالخير فإنه يحصل متقدما على ظهوره بزمن طويل حتى تكون البهجة الحاصلة بسبب توقع حصول ذلك الخير أكثر وأتم، ولهذا لم تظهر رؤية يوسف عليه السّلام إلا بعد أربعين سنة، وهو قول أكثر المفسرين. وقال الحسن البصري: كان بينهما ثمانون حين اجتمع عليه أبواه وإخوته وخروا له ساجدين اهـ.
قوله: أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وهي: جريان. والطارق. والذيال. وقابس.
وعمودان. والفليق. والمصبح. والصروخ. والفرع. ووثاب. وذو الكتفين. رآها يوسف والشمس والقمر نزلن من السماء وسجدن له اهـ بيضاوي.
وقوله: (جريان) بفتح الجيم وكسر الراء المهملة وتشديد الياء التحتية منقول من اسم طرف القميص، وقابس بقاف وموحدة وسين مقتبس النار، وعمودان تثنية عمود، والفليق نجم منفرد، والمصبح ما يطلع قبل الفجر، والفرع بفاء وراء مهملة ساكنة وعين نجم عند الدلو، ووثاب بتشديد المثلثة سريع الحركة، وذو الكتفين تثنية كتف نجم كبير. وهذه نجوم غير مرصودة خصت بالرؤيا لغيبتهم عنه اهـ شهاب.
قوله: رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ يحتمل وجهين.
أحدهما: أنها جملة كررت للتوكيد لما طال الفصل بالمفاعيل كررت كما كررت أنكم في قوله:
أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرابًا وَعِظامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ [المؤمنون: 35] كذا قاله الشيخ، وسيأتي تحقيق هذا إن شاء اللّه تعالى.
والثاني: أنه ليس بتأكيد، وإليه نحا الزمخشري، فإنه قال: فإن قلت: ما معنى تكرار رأيتهم؟
قلت: ليس بتكرار إنما هو كلام مستأنف على تقدير سؤال وقع جوابا له كأن يعقوب عليه السّلام قال له عند قوله إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ: كيف رأيتها سائلا عن حال رؤيتها؟ فقال:
رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ.
قلت: وهذا أظهر لأنه متى دار الكلام بين الحمل على التأكيد أو التأسيس فحمله على الثاني أولى اهـ سمين.
قوله: (جمع) أي ساجدين بالياء والنون أي بصيغة جمع العقلاء للوصف بالسجود الذي هو من صفات العقلاء، وهذا كثير شائع أنه إذ لابس الشيء الشيء من بعض الوجوه، فإنه يعطى حكما من أحكامه إظهارا لأثر الملابسة والمقاربة، كقوله تعالى في صفة الأصنام: وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [الأعراف: 198] وكقوله: يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ [النمل: 18] اهـ كرخي.
قوله: قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ الخ فهم يعقوب من رؤياه أن اللّه يصطفيه لرسالته ويفوقه