الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 6
قلبت عن الياء إِنِّي رَأَيْتُ في المنام أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ تأكيد لِي مختص بلفظين يا أبة يا أمة، ولا يجوز في غيرهما من الأسماء لو قلت يا صاحبة لم يجز البتة، وممن نص على كونها للتأنيث سيبويه، فإنه قال: سألت الخليل عن التاء في يا أبة فقال: هي بمنزلة التاء في خالة وعمة يعني أنها للتأنيث، ويدل على كونها للتأنيث أيضا كتبهم إياها هاء وقياس من وقف بالتاء أن يكتبها تاء كبنت وأخت. ثم قال الزمخشري: فإن قلت: كيف جاز لحوق تاء التأنيث بالمذكر؟ قلت:
كما جاز نحو قولك حمامة ذكر وشاة ذكر ورجل ربعة وغلام يفعة. قلت: يعني أنها جيء بها لمجرد تأنيث اللفظ كما في الألفاظ المستشهد بها، ثم قال الزمخشري: فإن قلت: فلم ساغ تعويض تاء التأنيث من ياء الإضافة؟ قلت: لأن التأنيث والإضافة يتناسبان في أن كل واحد منها زيادة مضمومة إلى الاسم في آخره. قلت: وهذا قياس بعيد لا يعمل به عند الحذاق، فإنه يسمى الشبه الطردي يعني أنه شبه في السورة اهـ.
قوله: إِنِّي رَأَيْتُ (في المنام) أي فتنصب مفعولين، الأول: أحد عشر، والثاني: ساجدين، وكانت هذه الرؤيا ليلة الجمعة، وكانت ليلة القدر، فرأى أن أحد عشر كوكبا نزلت من السماء ومعها الشمس والقمر فسجدوا له، وكان سن يوسف إذا ذاك اثنتي عشرة سنة، وقيل: سبع عشرة سنة، وقيل:
سبع سنين، والمراد بالسجود تواضعهم له ودخولهم تحت أمره، وقيل: المراد حقيقة السجود، لأنه كان التحية فيما بينهم السجود. قال ابن عباس: بين رؤيا يوسف هذه وبين تحققها بمصر واجتماعه بأبويه وأخوته أربعون سنة، وهذا قول أكثر المفسرين. وقال الحسن البصري: كان بينهما ثمانون سنة، وقال النووي: قال المازني: مذهب أهل السنة في حقيقة الرؤيا أن اللّه يخلق في القلب النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان، فإذا كان تلك الاعتقادات تسر خلقها اللّه بغير حضرة الشيطان، وإذا كانت تغم خلقها بحضرته، فهذا معنى قول النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: «الرؤيا من اللّه والحلم من الشيطان» وليس معناه أن الشيطان يفعل شيئا اهـ خازن.
وفي الخطيب: وعن أبي قتادة قال: كنت أرى الرؤيا تمرضني حتى سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول:
«الرؤيا الصالحة من اللّه، فإذا رأى أحدكم ما يحبه فلا يحدث به إلا من يحب، وإذا رأى ما يكره فلا يحدث به وليتفل عن يساره ثلاثا وليتعوذ باللّه من الشيطان الرجيم وشرها فإنها لا تضره» .
وعن أبي سعيد الخدري أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها فإنها من اللّه فليحمد اللّه عليها وليحدث بها، وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان فليستعذ باللّه من شرها ولا يذكرها لأحد فإنها لا تضره» .
وعن أبي رزين العقيلي أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «رؤيا المؤمن جزء من أربعين جزءا من النبوة وهي على رجل طائر ما لم يحدث بها فإذا حدث بها سقطت» قال: وأحبسه قال: «و لا تحدث بها إلا لبيبا أو حبيبا» وأضيفت الرؤيا المحبوبة للّه إضافة تشريف بخلاف الرؤية المكروهة وإن كانتا جميعا من خلق اللّه تعالى وتدبيره وإرادته ولا فعل للشيطان فيها، ولكنه يحضر المكروهة ويرتضيها، فيستحب إذا رأى الشخص في منامه ما يحب أن يحدث به من يحب، وإذا رأى ما يكره فلا يحدث به، وليتعوذ باللّه من الشيطان الرجيم من شرها وليتفل ثلاثا وليتحول عن جنبه الآخر فإنها لا تضره، فإن اللّه تعالى جعل هذه