الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 32
مِنَ الصَّاغِرِينَ (32) الذليلين، فقلن له أطع مولاتك
قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ أمل إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ أصر مِنَ الْجاهِلِينَ (33) المذنبين والقصد بذلك الدعاء، فلذا اجتماعهما دلّ عليه القسم جواب المذكور تقديره يسجن ويكن اهـ شيخنا.
قوله: ما آمُرُهُ به أشار إلى أن ما موصولة أي: الذي آمره به من قضاء شهوتي فالضمير للموصول، ويصح كونها مصدرية أي ولئن لم يفعل يوسف أمري أي: موجب أمري ومقتضاه اهـ كرخي.
قوله: وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ أي: من الاذلاء، وهو من صغر بكسر الغين يصغر صغرا كفرح يفرح فرحا وصغارا، والصغير من صغر بالضم صغرا اهـ بيضاوي.
قوله: قالَ رَبِ أي يا رب، وقوله: السِّجْنُ أي دخوله لما علمت من أن السجن بالكسر اسم للمكان والمحبوب دخوله لا ذاته اهـ شيخنا.
قوله: أَحَبُّ إِلَيَ أي عندي، قال أبو حبان: وأحب ليست على بابها من التفضيل لأنه لم يحبب إليه ما يدعونه إليه قط، وإنما هذان شران فآثر أحدهما على الآخر، وإن كان في أحدهما مشقة وفي الآخر لذة اهـ كرخي.
وقال بعضهم: لو لم يقل السجن أحب إلي لم يبتل به، فالأول بالعبد أن يسأل اللّه العافية اهـ خازن.
قوله: مِمَّا يَدْعُونَنِي فعل مضارع مبني على سكون الواو، والنون الأولى نون النسوة، والثانية نون الوقاية فهو مثل النسوة يعفون. قالوا: وليست ضميرا بل هي لام الكلمة، فليس من الأفعال التي ترفع بالنون اهـ شيخنا.
وأضاف الفعل إليهن لأنهن جميعا دعونه إلى أنفسهن، وقيل: لأنهن لما قلن له أطع مولاتك صح إضافة الدعاء إليهن جميعا اهـ خازن.
قوله: أَصْبُ إِلَيْهِنَ الصبوة الميل إلى الهوى، ومنه ريح الصبا، لأن النفس تستطيبها وتميل إليها اهـ بيضاوي.
وفي المصباح: وصبا صبوا من باب قعد، وصبوة أيضا مثل شهوة مال اهـ.
قوله: (و القصد بذلك) أي بقوله: وإلا تصرف عني الخ فكأنه يقول: اللهم اصرف عني كيدهن لأجل أن لا أصير من الجاهلين، لأنك إن لم تصرفه عني صرت منهم، إذ لا قدرة لي على الامتناع إلا بإعانتك وإسعافك لي اهـ شيخنا.
وفي أبي السعود: وهذا فزع منه عليه السّلام، والتجاء إلى ألطاف اللّه تعالى جريا على سنن الأنبياء والصالحين في قصر نيل الخيرات والنجاة عن الشرور على جنات اللّه عز وجل وسلب القوى، والقدر عن أنفسهم مبالغة في استدعاء لطفه في صرف كيدهن بإظهار أن لا طاقة له بالمدافعة، كقول المستغيث: أدركني وإلّا هلكت اهـ.