الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 85
وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101) من آبائي فعاش بعد ذلك أسبوعا أو أكثر ومات وله مائة وعشرون سنة وتشاح المصريون في قبره فجعلوه في صندوق من مرمر ودفنوه في أعلى والملك عبارة عن الاتساع في الشيء المقدور لمن له السياسة والتدبير اهـ خازن.
قوله: تَوَفَّنِي أي: اقبضني إليك مسلما، واختلفوا هل هو طلب الوفاة في الحال أم لا على قولين، أحدهما: أنه سأل اللّه الوفاة في الحال. قال قتادة: لم يسأل نبي من الأنبياء الموت إلا يوسف.
قال أصحاب هذا القول: وأنه لم يأت عليه أسبوع حتى توفي. والقول الثاني: أنه سأل الوفاة على الإسلام إذا جاء أجله، ولم يتمن الموت في الحال. وقال الحسن: إنه عاش بعدها سنين كثيرة، فعلى هذا القول يكون معنى الآية تَوَفَّنِي إذا توفيتني على الإسلام، فهو طلب لأن يجعل اللّه وفاته على الإسلام، وليس في اللفظ ما يدل على أنه طلب الوفاة في الحال. قال بعض العلماء: وكلا القولين محتمل، لأن اللفظ صالح للأمرين، ولا يبعد من الرجل الكامل أن يتمنى الموت لعلمه أن الدنيا ولذاتها فانية زائلة سريعة الذهاب، وأن نعيم الآخرة باق دائم لا نفاد له ولا زوال، ولا يمنع من هذا قوله صلّى اللّه عليه وسلّم:
«لا يتمن أحدكم الموت لضر نزل به، فإن تمني الموت عند وجود الضر ونزول البلايا مكروه والصبر أولى» اهـ خازن.
فإن قلت: كيف قال يوسف ذلك مع علمه بأن كل نبي لا يموت إلا مسلما؟ فالجواب: إما أنه حصل له حالة غلب عليه الخوف فيها، فذهل عن ذلك العلم في تلك الساعة، أو أنه دعا بذلك مع علمه إظهارا للعبودية والافتقار وشدة الرغبة في طلب سعادة الخاتمة، وتعليما لغيره. وهذه حالة زائدة على الإسلام الذي هو ضد الكفر، والمطلوب ههنا هو الإسلام بهذا المعنى اهـ كرخي.
وفي الخطيب: فإن قيل: الأنبياء عليهم السّلام يعلمون أنهم يموتون على الإسلام لا محالة، فكان هذا الدعاء طلب تحصيل الحاصل، وهو لا يجوز وأجيب: بأن حال كمال المسلم أن يسلم لحكم اللّه تعالى على وجه يستقر عليه قلبه ويرضى بقضاء اللّه وتطمئن النفس وينشرح الصدر وينفسح القلب في هذا الباب، وهذه حالة زائدة على الإسلام الذي هو ضد الكفر، والمطلوب ههنا الإسلام بهذا المعنى، فإن قيل: إن يوسف عليه الصلاة والسّلام كان من أكابر الأنبياء والصلاح أول درجة المؤمنين، فالواصل إلى الغاية كيف يليق به أن يطلب البداية؟ أجيب: بأن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: يعني بأن يلحقه بآبائه إبراهيم واسماعيل وإسحاق ويعقوب، والمعنى ألحقني بهم في ثوابهم ودرجاتهم اهـ.
وأشار لهذا الجلال بقوله (من آبائي) .
قوله: (و مات) وقد خلف من امرأة العزيز ولدين وبنتا، فالولدان افرائيم وميشا، والبنت رحمة تزوجها أيوب اهـ خازن.
ولقد توارثت الفراعنة من العمالقة بعد يوسف مصر، ولم يزل بنو إسرائيل تحت أيديهم على بقايا من دين يوسف وآبائه إلى أن بعث اللّه تعالى موسى عليه الصلاة والسّلام اهـ أبو السعود.
قوله: (و تشاح المصريون) أي أهل مصر في قبره أي في المحل الذي يدفن فيه، فطلب أهل كل محلة أن يدفن في محلتهم لأجل بركته حتى هموا أن يقتتلوا، ثم اصطلحوا على أن يدفنوه في أعلى