فهرس الكتاب
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 127
والتشديد فيه ما يشاء من الأحكام وغيرها وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ (39) أصله الذي لا يتغير منه محدود لا يزاد عليه ولا ينقص. وقوله: كِتابٌ المراد به صحف الملائكة التي تنسخها من اللوح المحفوظ، وقوله: (مكتوب فيه تحديده) أي: تحديد الأجل الذي هو الزمان، وقوله: (منه) أي: من الكتاب الذي هو صحف الملائكة وقوله: (من الأحكام) فيمحو الحكم المنسوخ ويثبت الحكم الناسخ، وقوله: (و غيرها) كالأرزاق والآجال، وقوله: وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ عندية علم، والكتاب هو المذكور أولا بقوله: كتاب على القاعدة في أن النكرة إذا أعيدت معرفة كانت عينا، وقد عرفت أن المراد به صحف الملائكة، والمراد بأمه على هذا أصله الذي نسخ منه وهو اللوح المحفوظ. وقوله:
(الذي لا يغير منه شيء) مبني على أحد قولين، وهو: أن اللوح المحفوظ لا يقع فيه تغيير ولا تبديل ولا محو ولا إثبات، وقوله: (و هو) أي: أم الكتاب والتذكير باعتبار كونها أصلا. وقوله: (ما كتبه في الأزل) أي: كتب فيه أي: أمر القلم أن يكتب فيه في الأزل، والمراد بالأزل هنا على هذا ما قبل وجود العالم وإن كان حادثا، لأن أول ما خلق اللّه القلم ثم أمره أن يكتب في اللوح المحفوظ كل شيء، وهذا أحد تقريرين للمفسرين. والآخر: أن المراد بالكتاب في قوله: لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ اللوح المحفوظ، وقوله: يَمْحُوا اللَّهُ منه ما يَشاءُ الخ مبني على أن اللوح المحفوظ يقع فيه التغيير والتبديل والمحو والاثبات، وهو القول الآخر. وقوله: وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ المراد بالكتاب هو الذي سبق ذكره وهو اللوح المحفوظ، وبأمه أصله وهو تعلق العلم القديم وتعلق الإرادة التنجيزي القديم، فهذا ليس فيه تغيير ولا تبديل وهو أم أي: أصل لسائر الكتب لأنها مترتبة ومبنية عليه، وعلى هذا فقوله: (و هو ما كتبه في الأزل) والمراد بالكتابة في الأزل القضاء، والتقدير الأزليان وهما يرجعان لتعلقي العلم والإرادة الأزليان، فليتأمل. وفي القرطبي: لكل أجل كتاب أي: لكل أمر قضاه اللّه كتاب عند اللّه قاله الحسن، وقيل: المعنى لكل مدة كتاب مكتوب وأمر مقدور ولا تقف عليه الملائكة وعنده أم الكتاب أي: أصل ما كتب من الآجال وغيرها. وقيل: أم الكتاب اللوح المحفوظ الذي لا يغير ولا يبدل، وقد قيل: إنه يجري فيه التبديل. وسئل ابن عباس عن أم الكتاب، فقال: علم اللّه ما هو خالق وما خلقه وما هم عاملون، ولا تبديل في علم اللّه وهو قول كعب الأحبار اهـ.
وفي أبي السعود: لِكُلِّ أَجَلٍ أي: لكل مدة ووقت من المدد والأوقات كتاب حكم معين يكتب على العباد حسبما تقتضيه الحكمة، فإن الشرائع كلها لإصلاح أحوالهم في المبدأ والمعاد، ومن قضية ذلك أن تختلف حسب اختلاف أحوالهم المتغيرة حسب تغير الأوقات، كاختلاف العلاج حسب اختلاف أحوال المرضى بحسب الأوقات يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ أي: ينسخ ما يشاء نسخه من الأحكام لما تقتضيه الحكمة بحسب الوقت ويثبت بدله ما فيه المصلحة، أو يبقيه على حاله غير منسوخ، أو يثبت ما يشاء إثباته مطلقا أعم منهما ومن الانشاء ابتداء، أو يمحو من ديوان الحفظة الذين ديدنهم كتب كل قول وعمل ما لا يتعلق به الجزاء، ويثبت الباقي أو يمحو سيئات التائب ويثبت مكانها الحسنة، أو يمحو الرزق ويزيد فيه، أو يمحو الأجل أو السعادة أو الشقاوة وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ أي: أصله وهو اللوح المحفوظ إذ ما من شيء من الذاهب والثابت إلا وهو مكتوب فيه كما هو اهـ.
وفي الخازن: فإن قلت: مذهب أهل السنة أن المقادير سابقة وقد جف القلم بما هو كائن إلى