الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 282
الناس يا محمد إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ دينه بِالْحِكْمَةِ بالقرآن وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ مواعظه أو القول الرفيق وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي أي بالمجادلة التي هِيَ أَحْسَنُ كالدعاء إلى اللّه بآياته والدعاء إلى حججه إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ أي عالم بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125) فيجازيهم وهذا قبل الأمر بالقتال. ونزل لما قتل حمزة ومثل به فقال صلّى اللّه عليه وسلّم وقد رآه: واللّه لأمثلن بسبعين منهم مكانك
وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ عن الانتقام لَهُوَ أي الصبر خَيْرٌ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ أي ادع هؤلاء بالموعظة الحسنة.
القسم الثالث: وهم أصحاب جدال وخصام ومعاندة، وهؤلاء هم المشار إليهم بقوله:
وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ يعني حتى ينقادوا إلى الحق ويرجعوا إليه، وقيل: المراد بالحكمة القرآن يعني ادعهم بالقرآن الذي هو حكمة وموعظة حسنة، وقيل: المراد بالحكمة النبوة أي ادعهم بالنبوة والرسالة، والمرادب الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ الرفق واللين في الدعوة. وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أي أعرض عن أذاهم ولا تقصر في تبليغ الرسالة والدعاء إلى الحق، فعلى هذا القول قال بعض علماء التفسير: هذا منسوخ بآية السيف اهـ.
قوله: (أو القول الرقيق) أي الذي فيه رفق ولين ومصداق هذا قوله: وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران: 159] . قوله: (أي بالمجادلة التي هي أحسن) أي أحسن طرق المجادلة من الرفق واللين وإيثار الوجه الأيسر، والمقدمات التي هي أشهر، فإن ذلك أنفع في تسكين شرهم اهـ بيضاوي.
قوله: (كالدعاء) وفي نسخة بالدعاء. قوله: (و الدعاء إلى حججه) أي إلى الإيمان بها. قوله:
وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ فما عليك إلا البلاغ. وفي إيثار الفعلية في الضالين والاسمية في مقابليهم إشارة إلى أنهم غيروا الفطرة وبدلوها بإحداث الضلال ومقابلوهم استمروا عليها، وتقديم أرباب الضلال، لأن الكلام وارد فيهم اهـ كرخي.
قوله: (و هذا) أي قوله جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أي: ولا تقاتلهم بل اقتصر على المجادلة، وغرض الشارح أن هذا منسوخ لكونه فهم أن المراد جادلهم ولا تقاتلهم، وبعضهم قال: لا حاجة إلى دعوى النسخ إذ الأمر بالمجادلة ليس فيه تعرض للنهي عن المقاتلة اهـ شيخنا.
قوله: (و نزل) أي بالمدينة لما قتل حمزة أي في السنة الثالثة في أحد، وكان عم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأخاه من الرضاع وقريبه من الأم أيضا، وكان أكبر من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بسنتين، وقوله: (و مثل به) التمثيل التشويه أي مثل به المشركون فقطعوا أنفه وأذنيه وذكره وأنثييه وفجروا بطنه، وقوله: (و قد رآه) جملة حالية أي فشق عليه جدا، وقوله: لأمثلن اللام جواب قسم محذوف صرح به في عبارة غيره، ففي كلام الشارح اختصار للحديث. ولفظة: أما واللّه لئن أظفرني اللّه بهم لأمثلن الخ، ويدل لذلك قول الشارح وكفر عن يمينه، وهذا القول من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كأنه كان باجتهاد منه وعليه فلينظر هل قوله تعالى: وَإِنْ عاقَبْتُمْ الخ لهذا الاجتهاد أو تنبيه على خطئه تأمل اهـ شيخنا.
قوله: وَإِنْ عاقَبْتُمْ الخ اختلف العلماء في هذه الآية هل هي منسوخة أو لا؟ على قولين.