الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 283
لِلصَّابِرِينَ (126) فكف صلّى اللّه عليه وسلّم وكفر عن يمينه، رواه البزار
وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ بتوفيقه وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ أي الكفار إن لم يؤمنوا لحرصك على إيمانهم وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا أحدهما: أنها نزلت قبل براءة فأمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يقاتل من قاتله ولا يبدأ بالقتال، ثم نسخ ذلك وأمر بالجهاد مطلقا، وذلك قول ابن عباس والضحاك.
القول الثاني: قال بعضهم: الأصح أنها محكمة لأن الآية واردة في تعليم حسن الأدب في كيفية استيفاء الحقوق والقصاص وترك التعدي وهو طلب الزيادة، وهذه الأشياء لا تكون منسوخة ولا تعلق لها بالنسخ واللّه أعلم اهـ خازن.
وفي البيضاوي: وفيه دليل على أن المقتص أن يماثل الجاني وليس له أن يجاوزه اهـ.
قوله: وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ الخ لما حث على العفو تعريضا بقوله: وَإِنْ عاقَبْتُمْ حث عليه تصريحا على الوجه الآكد بقوله: وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ الخ اهـ من البيضاوي.
قوله: (عن الانتقام) أي تركتموه بالكلية. قوله: لَهُوَ بضم الهاء وسكونها قراءتان سبعيتان.
قوله: (أي الصبر) أشار إلى أن الضمير عائد على المصدر الدال عليه الفعل مقيدا بالإضافة اهـ كرخي.
قوله: (فكف) أي عن التمثيل بهم. قوله: وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ أي لأجلهم أي لأجل عدم إيمانهم اهـ.
وفي زاده: لما كان السبب الحامل على الغضب والانتقام لا يخلو عن أمرين، أحدهما فوات نفع في الماضي، والآخر توقع ضرر في المستقبل نهي عن الالتفات إلى السبب الأول بقوله: وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ أي على الكافرين بسبب إعراضهم عنك واستحقاقهم للعذاب الدائم، وعن الالتفات إلى السبب الثاني بقوله: وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ اهـ.
قوله: (أي الكفار) وقيل: المعنى لا تحزن على قتلى أحد، فإنهم أفضوا إلى رحمة اللّه تعالى اهـ خازن.
قوله: (لحرصك) متعلق بالمنهي عنه، والمعنى أن الحزن الذي سببه حرصك على إيمانهم لا نرتكبه ولا تفعله اهـ شيخنا.
قوله: وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ أي ضيق صدر، فهو من الكلام المقلوب الذي أمن فيه الالتباس، لأن الضيق وصف، فهو يكون في الإنسان ولا يكون الإنسان فيه، وفيه لطيفة أخرى هي أن الضيق إذا عظم وقوي صار كالشيء المحيط به قاله هنا بحذف النون، وفي النمل بإثباتها تشبيها لها بحروف العلة، وخص ما هنا بحذفها موافقة لقوله قبل: وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، ولسبب نزول هذه الآية، لأنها نزلت تسلية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين قتل عمه حمزة ومثل به فقال صلّى اللّه عليه وسلّم: «لأفعلن بهم ولأصنعن» ، فأنزل اللّه تعالى: وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ الآية. فبالغ في الحذف ليكون ذلك مبالغة في التسلية، وإثباتها في النمل جاء على القياس، ولأن الحزن ثم دون الحزن هنا، وإلى ذلك أشار في التقرير اهـ كرخي.
قوله: فِي ضَيْقٍ بفتح الضاد وكسرها سبعيتان. وفي المصباح: ضاق الشيء ضيقا من باب