فهرس الكتاب
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 292
خمسا فرجعت إلى موسى قال ما فعلت؟ فقلت قد حط عني خمسا قال إن أمتك لا تطيق ذلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك. قال فلم أزل أرجع بين ربي وبين موسى ويحط عني خمسا خمسا حتى قال «يا محمد هي خمس صلوات في كل يوم وليلة بكل صلاة عشر فتلك خمسون صلاة، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشرا، ومن هم بسيئة ولم يعملها لم تكتب فإن عملها كتبت له سيئة واحدة» . فنزلت حتى انتهيت إلى موسى وجل بعيني بصره، كما رآه في المرة الأولى التي فرض فيها الخمسين، فرأى ربه عشر مرات اهـ شيخنا.
قوله: (حتى قال يا محمد إلى قوله كتبت سيئة واحدة) هذا حديث قدسي من كلامه تعالى اهـ شيخنا.
قوله: (بكل صلاة عشر) أي مضاعفة في الثواب. قوله: (و من هم بحسنة) هذا من جملة كلام اللّه، والمراد بالهم بها العزم والتصميم، إذ هو الذي يكلف به الشخص في الخير والشر، وأما الهم الذي هو أضعف منه، وحديث النفس الذي هو أضعف من الهم والخاطر الذي هو أضعف من حديث النفس والهاجس الذي هو أضعف من الخاطر، فلا تكليف بهذه الأربعة لا في خير ولا في شر. ونظم بعضهم الخمسة بقوله:
مراتب القصد خمس هاجس ذكروا ... فخاطر فحديث النفس فاستمعا
يليه هم فعزم كلها رفعت ... سوى الأخير ففيه الأخذ قد وقعا
وقوله: (و من هم بسيئة) المراد بالهم فيها حقيقته التي هي أدون من حقيقة العزم، وأما العزم نفسه فيؤاخذ به كما علمت فقوله: (و إن عملها كتبت سيئة واحدة) أي وكذلك إن عزم عليها وصمم ولم يعمل، فالحاصل أن العزم المصمم على الحسنة يكتب له به حسنة، وعلى السيئة لا يكتب عليه به سيئة وإن غير العزم من الأقسام الأربعة لا يكتب له به حسنة في الخير، ولا يكتب عليه به سيئة في الشر تأمل اهـ شيخنا.
وعبارة ابن حجر في شرح الأربعين النورية: فمن همّ بحسنة أي أرادها وترجح عنده فعلها، فعلم منه بالأولى حكم العزم وهو الجزم بفعلها والتصميم عليه فلم يعملها كتبها اللّه عنده أي في كل من الهم والعزم حسنة كاملة، لأن الهم بالحسنة سبب إلى عملها، وسبب الخير خير، فالهم بها خير وإن هم بها أي أو عزم عليها فعملها كتبها اللّه عنده عشر حسنات، لأنه أخرجها من الهم إلى ديوان العمل، فكتب له بالهم حسنة، ثم ضوعفت فصارت عشرا وإن همّ بسيئة فلم يعملها بأن ترك فعلها والتلفظ بها لوجه اللّه تعالى لا لنحو حياء أو خوف ذي شوكة أو عجز أو رياء، بل يأثم حينئذ لأن تقديم خوف المخلوق على خوف اللّه تعالى محرم، وكذلك الرياء محرم كتبها اللّه عنده حسنة كاملة، لأن رجوعه عن العزم عليها خير أي خير فجوزي في مقابلته بحسنة. لا يقال نظير ما مرّ ثم من أن الهم بالحسنة يكتب فيه حسنة أن يكون الهم بالسيئة يكتب فيه سيئة، لأن الهم بالشر من أعمال القلب، لأنا نقول قد تقرر أن الكف عنها خير أي خير وهو متأخر عن ذلك الهم، فكان ناسخا له قال تعالى: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ