فهرس الكتاب

الصفحة 1313 من 2941

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 293

فأخبرته فقال ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك فإن أمتك لا تطيق ذلك فقلت قد رجعت إلى ربي حتى استحييت. رواه الشيخان واللفظ لمسلم. وروى الحاكم في المستدرك عن ابن [هود: 114] وقد جاء في الحديث: إنما تركها من جراي أي من أجلي وإن همّ بها فعملها كتبت سيئة واحدة. زاد أحمد ولم تضاعف، ويدل له فلا يجزى إلا مثلها، ثم قوله: (و إن همّ بها فعملها الخ) فيه دليل على أن الهم لا يكتب معها إذا فعلها لا يؤاخذ به العبد وتناقص في هذه المسألة كلام السبكي، فتارة أفتى بأنه لا يكتب به شيء، وتارة أفتى بأنه يكتب به سيئة أخرى. قال السبكي في حلبياته ما حاصله: ما يقع في النفس من قصد المعصية على خمس مراتب، الأولى الهاجس وهو ما يلقى فيها ثم جريانه فيها وهو الخاطر، ثم حديث النفس وهو ما يقع فيها من التردد هل يفعل أو لا، ثم الهم وهو ترجيح قصد الفعل، ثم العزم وهو قوة ذلك القصد والجزم به، فالهاجس لا يؤاخذ به إجماعا لأنه ليس من فعله، وإنما هو شيء طرقه قهرا عليه، وما بعده من الخاطر وحديث النفس، وإن قدر على دفعهما لكنهما مرفوعان بالحديث الصحيح أي: وهو قوله صلّى اللّه عليه وسلّم «إن اللّه تعالى تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلم به» أي في المعاصي القولية أو تعمل أي في المعاصي الفعلية، لأن حديثها إذا ارتفع فما قبله أولى. وهذه المراتب الثلاث لا أجر فيها في الحسنات أيضا لعدم القصد، وأما الهم فقد بين الحديث الصحيح أنه بالحسنة يكتب حسنة وبالسيئة لا يكتب، ثم ينظر فإن تركها للّه كتبت حسنة، وإن فعلها كتبت سيئة واحدة، والأصح في معناه أن يكتب عليه الفعل وحده وهو معنى قوله: (واحدة) وإن الهم مرفوع اهـ.

والأصح الذي ذكره خالفه في شرح المنهاج فظهر له المؤاخذة بالهم زيادة على المؤاخذة بالفعل، ثم قال في الحلبيات: وأما العزم فالمحققون على أنه يؤاخذ به سواء عمل أو لم يعمل، وخالف بعضهم فقال: إنه من الهم المرفوع، واحتج الأولون بحديث: «إذ التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار» قيل: يا رسول اللّه هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: «لأنه كان حريصا على قتل صاحبه» فعلل بالحرص وبالإجماع على المؤاخذة بأعمال القلوب كالحسد والكبر والعجب ومحبة ما يبغض اللّه تعالى وعكسه ونحو ذلك، والعزم على الكبيرة وإن كان سيئة فهو دون الكبيرة المعزوم عليها انتهت ملخصة.

ومنها تعلم أن قوله صلّى اللّه عليه وسلّم في هذه الرواية التي رواها السيوطي عن أنس لم تكتب. معناه لم تكتب سيئة فلا ينافي أنها تكتب حسنة إذا تركها لوجه اللّه تعالى، كما تقدم في رواية النووي التي شرح عليها ابن حجر.

قوله: (استحييت) بياءين تحتيتين بعد الحاء المهملة. قوله: (رواه الشيخان) أي رويا حديث الإسراء من قوله: (أتيت بالبراق إلى هنا) أي رويا معناه أي اتفقا عليه، واللفظ الذي ذكرته أنا هنا لمسلم، وأما البخاري فرواه بألفاظ بعضها غير ما ذكرته هنا اهـ شيخنا.

قوله: (و اللفظ لمسلم) وخرجه مسلم من حديث عمار بن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «أتيت بالبراق الخ» اهـ خازن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت