فهرس الكتاب

الصفحة 1416 من 2941

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 396

فناموا وأنا أحرسكم فتبعهم، فدخلوا الكهف وقعدوا فيه ليس لهم عمل إلا الصلاة والصيام والتسبيح والتحميد، وجعلوا نفقتهم تحت يد واحد منهم اسمه تمليخا كان يأتي المدينة يشتري لهم الطعام سرا ويتجسس لهم الخبر، فلبثوا بذلك الغار ما شاء اللّه. ثم رجع الملك دقيانوس من سفره إلى المدينة، وكان تمليخا يومئذ بالمدينة يشتري لهم طعاما، فجاء وأخبرهم برجوع الملك وأنه يفتش عليهم، ففزعوا وشرعوا يذكرون اللّه عز وجل ويتضرعون إليه في دفع شره عنهم وذلك عند غروب الشمس، فقال لهم تمليخا: يا أخوتاه كلوا وتوكلوا على ربكم، فأكلوا وجلسوا يتحدثون ويتواصون، فبينما هم كذلك إذ ألقى اللّه عليهم النوم في الكهف وألقاه أيضا على كلبهم وهو على باب الكهف، ففتش عليهم الملك فدلّ عليهم فتحير فيما يصنع بهم، فألقى اللّه في قلبه أن يسد عليهم باب الغار، وأراد اللّه عز وجل أن يكرمهم بذلك، ويجعلهم آية للناس، وأن يبين لهم أن الساعة آتية، وأنه قادر على بعث العباد من بعد الموت فأمر الملك بسده وقال: دعوهم في كهفهم يموتوا جوعا وعطشا، ويكون كهفهم الذي اختاروه قبرا لهم، وهو يظن أنهم أيقاظ يعلمون ما يصنع بهم، وقد توفى اللّه أرواحهم وفاة نوم، ثم إن رجلين مؤمنين في بيت الملك دقيانوس يكتمان إيمانهما شرعا يكتبان قصة هؤلاء الفتية، فكتبا وقت فقدهم وعددهم وأنسابهم ودينهم وممن فروا في لوحين من رصاص، وجعلاهما في تابوت من نحاس، وجعلا التابوت في البنيان وقالا: لعل اللّه أن يظهر على هؤلاء الفتية قوما مؤمنين قبل يوم القيامة فيعرفوا من هذه الكتابة خبرهم. ثم مات الملك دقيانوس هو وقومه، ومرّ بعده سنون وقرون وتغايرت الملوك.

وفي رواية أن اللوح الذي كتب فيه وضع ودس في خزانة الملك، ثم ملك تلك المدينة رجل صالح يقال له بيدروس، اختلف الناس عليه فمنهم المؤمن بالساعة، ومنهم الكافر بها فشق ذلك عليه حيث كان يسمعهم يقولون: لا حياة إلا حياة الدنيا، وإنما تبعث الأرواح دون الأجساد. فجعل يتضرع ويقول: رب أنت تعلم اختلاف هؤلاء فابعث لهم آية تبين لهم أمر الساعة والبعث، فأراد اللّه أن يظهره على الفتية أصحاب الكهف ويبين للناس شأنهم ويجعلهم آية وحجة عليهم ليعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن اللّه يبعث من في القبور. فألقى اللّه في قلب رجل من أهل تلك الناحية أن يهدم ذلك البناء الذي على باب الكهف ويبني بحجارته حظيرة لغنمه، فهدمه وبنى به حظيرة لغنمه، فلما انفتح باب الكهف بعث اللّه هؤلاء الفتية فجلسوا فرحين مسفرة وجوههم طيبة نفوسهم، وقد حفظ اللّه عليهم أبدانهم وجمالهم وهيئتهم فلم يتغير منها شيء، فكانت هيئتهم وقت أن استيقظوا كهيئتهم وقت أن رقدوا، ثم أرسلوا تمليخا إلى المدينة ليشتري لهم الطعام، فذهب فرأى المدينة قد تغير حالها وأهلها وملكها، وقد أخذه أهل المدينة وذهبوا به إلى ذلك الملك المؤمن، فأخبر تمليخا بقصته وقصة أصحابه. فقال بعض الحاضرين: يا قوم لعل هذه آية من آيات اللّه جعلها اللّه لكم على يد هذا الفتى، فانطلقوا بنا حتى يرينا أصحابه. فانطلق أريوس وأسطيوس من عظماء المملكة ومعهما جميع أهل المدينة كبيرهم وصغيرهم نحو أصحاب الكهف لينظروا إليهم، فأول من دخل عليهم هذان العظيمان الكبيران، فوجدا في أثر البناء تابوتا من نحاس ففتحاه فوجدا فيه لوحين من رصاص مكتوبا فيهما قصتهم، فلما قرأوه عجبوا وحمدوا اللّه الذي أراهم آية تدلهم على البعث، ثم أرسلوا قاصدا إلى ملكهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت