فهرس الكتاب

الصفحة 1693 من 2941

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 209

يخرجه أهل الصحة ولا رواه ثقة بسند سليم متصل مع ضعف نقلته واضطراب رواياته وانقطاع أسانيده وكذا قول عياض أيضا. ومن حكيت عنه هذه القصة من التابعين والمفسرين لم يسندها أحد منهم ولا رفعها إلى صحابي، وأكثر الطرق عنهم في ذلك ضعيفة واهية فهذا مردودا أيضا. قال القاضي عياض:

وقد بيّن البزار أن الحديث لا يعرف من طريق يجوز ذكره إلّا من طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير مع الشك الذي وقع في وصله. وأما الكلبي: فلا تجوز الرواية عنه لقوة ضعفه، ثم رده من طريق النظر بأن ذلك لو وقع لارتد كثير ممن أسلم قال: ولم ينقل ذلك اهـ.

قال الحافظ ابن حجر: وجميع ذلك لا يتمشين على قواعد المحدثين: فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دلّ ذلك على أن لها أصلا، وقد ذكرنا أن ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل، وكذا من لا يحتج به لاعتضاد بعضها ببعض، وإذا تقرر ذلك تعين تأويل ما وقع فيها مما يستنكر وهو قوله: ألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العلا وأن شفاعتهن لترتجى، فإن ذلك لا يجوز حمله على ظاهره لأنه يستحيل عليه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يزيد في القرآن عمدا ما ليس فيه، وكذا سهوا إذا كان مغايرا لما جاء به من التوحيد لمكان عصمته. وقد سلك العلماء في ذلك التأويل مسالك نحو السبعة فقيل: جرى ذلك على لسانه حين أصابته سنة من النوم وهو لا يشعر، فلما أعلمه اللّه بذلك أحكم آياته. وهذا أخرجه الطبري عن قتادة، ورده القاضي بأنه لا يصح لكونه لا يجوز على النبي ذلك ولا ولاية للشيطان عليه في النوم. وقيل: إن الشيطان ألجأه إلى أن قال ذلك بغير اختياره، ورده ابن العربي بقوله تعالى حكاية عن الشيطان: وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ [إبراهيم: 22] الآية. قال: فلو كان للشيطان قوة على ذلك لما بقي لأحد قوة على طاعة. وقيل: إن المشركين كانوا إذا ذكروا آلهتهم وصفوها بذلك، فعلق ذلك بحفظه صلّى اللّه عليه وسلّم فجرى على لسانه سهوا، وقد ردّ ذلك القاضي عياض فأجاد، وقيل: لعله قال ذلك توبيخا للكفار. قال القاضي عياض: وهذا جائز إذا كان هناك قرينة تدل على المراد، ولا سيما وقد كان الكلام في ذلك الوقت في الصلاة جائزا، وإلى هذا نحا الباقلاني. وقيل: إنه لما وصل إلى قوله: وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى [النجم: 19] الآية. خشي المشركون أن يأتي بعدها بشيء يذم آلهتهم به كعادته إذا ذكرها فبادروا إلى ذلك الكلام فخلطوه في تلاوة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على عادتهم في قولهم: لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ [فصلت: 26] أي:

أظهروا اللغو برفع الأصوات تخليطا وتشويشا عليه، ونسب ذلك للشيطان لكونه الحامل لهم عليه، أو المراد بالشيطان شيطان الإنس، وقيل: المراد بالغرانيق العلا الملائكة، وكان الكفار يقولون: الملائكة بنات اللّه ويعبدونها فنسق ذكر الكل ليرد عليهم بقوله: أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى [النجم: 21] فلما سمعه المشركون حملوه على الجميع وقالوا: قد عظم آلهتنا ورضوا بذلك، فنسخ تينك الكلمتين وهما قوله: (تلك الغرانيق العلا) وإن شفاعتهن لترتجى وأحكم آياته. وقيل: كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يرتل القرآن فترصده الشيطان في سكتة من السكتات ونطق بتلك الكلمات محاكيا بصوت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بحيث سمعه من دنا إليه، فظنها من قول النبي وأشاعها. قال القاضي عياض: وهذا أحسن الوجوه وهو الذي يظهر ترجيحه، ويؤيده ما روي عن ابن عباس في تفسير تمنى بتلا، وكذا استحسن ابن العربي هذا التأويل قالوا معنى قوله: فِي أُمْنِيَّتِهِ أي في تلاوته، فأخبر تعالى في هذه الآية أن سنة اللّه في رسله إذا قالوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت