فهرس الكتاب
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 208
فإنه لا فرق في العقل بين النقصان من الوحي وبين الزيادة فيه، فبهذه الوجوه النقلية والعقلية عرفنا على سبيل الإجمال أن هذه القصة موضوعة، وقد قيل: إن هذه القصة من وضع الزنادقة لا أصل لها اهـ كلام الرازي.
وليس كذلك بل لها أصل، فقد خرجها ابن أبي حاتم والطبراني وابن المنذر من طرق، عن شعبة، عن أبي بشر عن سعيد بن جبير، وكذا ابن مردويه والبزار وابن إسحاق في السيرة، وموسى بن عقبة في المغازي، وأبو معشر في السيرة كما نبه عليه الحافظ ابن كثير وغيره، لكن قال: إن طرقها كلها مرسلة وإنه لم يرها مسندة من وجه صحيح، وهذا متعقب بما سيأتي قريبا من إخراج جماعة لها عن ابن عباس. وكذا نبه على ثبوت أصلها شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني فقال: أخرج ابن أبي حاتم والطبري وابن المنذر من طرق، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير قال: قرأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بمكة والنجم فلما بلغ: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى [النجم: 19] ألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى، فقال المشركون: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم، فلما ختم السورة سجد وسجدوا فكبر ذلك على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فنزل تسلية له وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ أي: في قراءته بين كلماته، وأخرجه البزار، وابن مردويه من طريق أميه بن خالد عن شعبة فقال في إسناده: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فيم أحسب، ثم ساق الحديث المذكور. وقال البزار: لا يروى متصلا إلا بهذا الإسناد، وتفرّد بوصله أمية ابن خالد وهو ثقة مشهور، وقال البزار: إنما يروي هذا من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس اهـ.
والكلبي. متروك لا يعتمد عليه، وكذا أخرجه النحاس بسند آخر فيه الواقدي، وذكرها ابن إسحاق في السيرة مطولة وأسندها عن محمد بن كعب، وكذا موسى بن عقبة في المغازي، عن ابن شهاب الزهري، وكذا أبو معشر في السيرة له عن محمد بن كعب القرظي، ومحمد بن قيس، وأورده من طريق أبي معشر الطبري، وأورده ابن أبي حاتم من أسباط عن السدي. ورواه ابن مردويه من طريق عباد بن صهيب، عن يحيى بن كثير، عن الكلبي، عن أبي صالح، وعن أبي بكر الهذلي، وأيوب عن عكرمة، وعن سليمان التيمي عمن حدثه ثلاثتهم عن ابن عباس. وأوردها الطبري أيضا من طريق الحوفي، عن ابن عباس ومعناهم كلهم في ذلك واحد، وكل من طرقها سوى طريق سعيد بن جبير إما ضعيف وإما منقطع، لكن كثرة الطرق تدل على أن للقصة أصلا مع أن لها طريقين آخرين مرسلين رجالهما على شرط الصحيح.
أحدهما: ما أخرجه الطبري من طريق يونس بن زيد، عن ابن شهاب: حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام فذكر نحوه.
والثاني: ما أخرجه أيضا من طريق المعتمر بن سليمان، وحماد بن سلمة كلاهما عن داود بن أبي هند، عن أبي العالية. وقال الحافظ ابن حجر أيضا: وقد تجرأ ابن العربي كعادته فقال: ذكر الطبري في ذلك روايات كثيرة لا أصل لها وهو إطلاق مردود عليه. وكذا قول القاضي عياض: هذا الحديث لم