فهرس الكتاب
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 170
أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ أخفى الناس شَهادَةً عِنْدَهُ كائنة مِنَ اللَّهِ أي لا أحد أظلم وهم اليهود كتموا شهادة اللّه في التوراة لإبراهيم بالحنيفية وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (140) تهديد لهم
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (141) تقدم مثله
* سَيَقُولُ السُّفَهاءُ الجهال مِنَ النَّاسِ اليهود والمشركين ما وَلَّاهُمْ أي شيء صرف النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قوله: (كائنة) قدره ليفيد أنه صفة لشهادة بعد صفة، لأن عنده صفة أولى لشهادة اهـ كرخي، ويحتمل أنه متعلق بكتم، وأن الكلام على حذف مضاف تقديره كتمها من عباد اللّه، وعبارة السمين قوله: من اللّه في من وجهان، أحدهما: أنها متعلقة بكتم، وذلك على حذف مضاف أي من كتم من عباد اللّه شهادة عنده. والثاني: أن تتعلق بمحذوف على أنها صفة لشهادة بعد صفة لأن عنده صفة لشهادة وهو ظاهر قول الزمخشري، فإنه قال: ومن في قوله شهادة عنده من اللّه مثلها. في قولك هذه شهادة مني لفلان إذا شهدت له، ومثله براءة من اللّه ورسوله اهـ.
قوله: (أي لا أحد أظلم الخ) عبارة البيضاوي: المعنى لا أحد أظلم من أهل الكتاب، لأنهم كتمواهذه الشهادة، أو لا أحد أظلم منا لو كتمنا هذه الشهادة، وفيه تعريض بكتمانهم شهادة اللّه لمحمد بالنبوة في كتبهم وغيرها اهـ.
قوله: (و هم اليهود) تفسير لمن كتم. قوله: وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ تهديد وإعلام بأنه لا يترك أمرهم سدى، وأنه مجازيهم على أعمالهم، والغافل الذي لا يفطن للأمور إهمالا منه مأخوذ من الأرض الغفل، وهي التي لا علم بها ولا أثر عمارة، وقال الكسائي: أرض غفل لم تمطر. فإن قيل: ما الحكمة في عدوله عن قوله واللّه عليم إلى قوله وما اللّه بغافل؟ فالجواب: أن نفي النقائض عن صفات اللّه تعالى أكمل من ذكر الصفات مجردة عن ذكر نفي نقيضها فإن نفي النقيض يستلزم إثبات النقيض وزيادة، والإثبات لا يستلزم نفي النقيض، لأن العليم قد يغفل عن النقيض، فلما قال تعالى: وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة: 74] دل ذلك على أنه عالم، وأنّه غير غافل، وذلك أبلغ في الزجر المقصود من الآية فإن قيل، قد قال تعالى في موضع آخر: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ [يوسف: 19] فالجواب: أن ذلك سبق لمجرد الإعلام بالقصة لا للزجر بخلاف هذه الآية، فإن المقصود بها الزجر والتهديد اهـ كرخي.
قوله: (تقدم مثله) أي: وكرر تأكيدا وزجرا عما هم عليه من الافتخار بالآباء والاتكال على أعمالهم، أو لأن الأمة في الآية الأولى للأنبياء، وفي الثانية لأسلاف اليهود والنصارى، أو لأن الخطاب في تلك الآية لهم، وفي هذه الآية لنا اهـ كرخي.
قوله: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ أتى بالسين مع مضي القول المذكور لاستمرارهم عليه بناء على أن الآية متقدمة في نظم القرآن متأخرة في النزول عن آية قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ[البقرة:
144]كما ذكره ابن عباس وغيره، فمعنى سيقول السفهاء انهم يستمرون على هذا القول إن كانوا قد قالوه، وحكمة الاستقبال أنهم كما قالوا ذلك في الماضي منهم أيضا من يقوله في المستقبل، وقول الشيخ المصنف كالقاضي البيضاوي تبعا لما في الكشاف والإتيان بالسين الدالة على الاستقبال من الاخبار بالغيب هو ما عليه أكثر المفسرين. وفائدة تقديم الاخبار به أي على المخبر عنه توطين النفس وإعداد الجواب، فلا يرد السؤال وهو أي فائدة في الإخبار به قبل وقوعه أو فائدته أن مفاجأة المكروه