الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 326
لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ أي الإنس والجن دون الملائكة نَذِيرًا (1) مخوفا من عذاب اللّه
الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ من شأنه أن يخلق فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (2) سوّاه تسوية
وَاتَّخَذُوا أي الكفار مِنْ دُونِهِ أي اللّه أي غيره آلِهَةً هي الأصنام وقد علمت أن السورة مكية، فيكون المراد بالفرقان البعض الذي كان قد نزل إذ ذاك بالفعل، والقرآن يطلق على جملته وعلى كل من أبعاضه، ويصح أن يراد به جملة القرآن ويكون نزل مستعملا في حقيقته بالنسبة لما نزل إذ ذاك بمعنى المستقبل بالنسبة لما كان سينزل اهـ.
قوله: لِيَكُونَ علة نزل، والضمير فيه للعبد وهو النبي وهو أحسن لأنه أقرب مذكور، أو راجع للفرقان. وقوله: نَذِيرًا أي وبشيرا، ويصح رجوعه للمنزل وهو اللّه تعالى، وقوله: لِلْعالَمِينَ متعلق بنذيرا قدم عليه لرعاية الفاصلة اهـ شيخنا.
قوله: الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي: دون غيره لا استقلالا ولا تبعا، وهذا الموصول يجوز فيه الرفع نعتا للذي الأول، أو بيانا أو بدلا أو خبرا لمبتدأ محذوف، والنصب على المدح وما بعده بدل من تمام الصلة فليس أجنبيا فلا يضر الفصل بين الموصول الأول والثاني إذا جعلنا الثاني تابعا له اهـ سمين.
وقوله: لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا فيه رد على النصارى واليهود، وقوله: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ فيه رد على الثنوية وعباد الأصنام، فأثبت له الملك بجميع وجوهه، ثم نفى ما يقوم مقامه وما يقاومه فيه، ثم نبه على ما يدل عليه فقال: وخلق كل شيء الخ اهـ بيضاوي.
قوله: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ هذا في معنى العلة لما قبله اهـ شيخنا.
قوله: (من شأنه أن يخلق) أي: فلا يدخل في الشيء ذاته تعالى وصفاته، والمخصص لذلك هو العقل اهـ شيخنا.
قوله: (سوّاه تسوية) أي: جعله مستويا لا اعوجاج فيه، ولا زائدا على ما تقتضيه الحكمة والمصلحة، ولا ناقصا عن ذلك في بابي الدين والدنيا. وغرضه بهذا التفسير الجواب عما قاله بعضهم من أن في الآية قلبا لأجل رعاية الفاصلة، وسبب هذا القيل أن الخلق متأخر عن التقدير، إذ التقدير أزلي والخلق حادث؟ وعما قال بعض آخر من أن الخلق بمعنى التقدير، كما في قوله تعالى: وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ [المائدة: 110] فكيف عطف عليه؟ وحاصل الجواب: أن الخلق هنا بمعنى الاخراج من العدم، والتقدير بمعنى التسوية وتسوية الشيء بعد إيجاده فحصلت المغايرة وصح العطف، وأجاب غيره بأجوبة غير ما ذكر اهـ شيخنا.
وعبارة البيضاوي: وخلق كل شيء أحدثه إحداثا مراعى فيه التقدير حسب إرادته، كخلقه الإنسان من مواد مخصوصة وصور وأشكال معينة، فقدره تقديرا قدره وهيأه لما أراد منه من الخصائص والأفعال كتهيئة الإنسان للإدراك والفهم والنظر والتدبير، واستنباط الصنائع المتنوعة، ومزاولة الأعمال المختلفة إلى غير ذلك أو فقدره للبقاء إلى أجل مسمى اهـ.
قوله: (أي الكفار) أي: المذكورون في ضمن العالمين اهـ شيخنا.