فهرس الكتاب
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 352
أم المؤمنون
أَرَأَيْتَ أخبرني مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أي مهويه قدم المفعول الثاني لأنه أهم، وجملة من اتخذ مفعول أول لرأيت، والثاني أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (43) حافظا تحفظه عن اتباع هواه؟ لا
أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ سماع تفهم أَوْ يَعْقِلُونَ ما تقول لهم أَنَ ما هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44) أخطأ طريقا منها لأنها تنقاد لمن يتعهدها وهم لا يطيعون قوله: (قدم المفعول الثاني الخ) هذا أحد وجهين، والآخر أنه لا تقديم ولا تأخير. وعبارة السمين: إلهه هواه مفعولا الاتخاذ من غير تقديم ولا تأخير لاستوائهما في التعريف. قال الزمخشري:
فإن قلت: لم أخر هواه، والأصل قوله اتخذ الهوى إلها؟ قلت: ما هو إلا تقديم للمفعول الثاني على الأول للعناية به، كما تقول: علمت منطلقا زيدا لفضل عنايتك بالمنطلق. قال الشيخ: وادعاء القلب يعني التقديم ليس بجيد لأنه من ضرورات الإشعار. قلت: وقد تقدم فيه ثلاثة مذاهب، على أن هذا ليس من القلب المذكور في شيء، وإنما هو تقديم وتأخير فقط اهـ سمين.
وفي أبي السعود: وإلهه مفعول ثان لاتخذ قدم على الأول للاعتناء به، لأن الذي يدور عليه أمر التعجيب، ومن توهم أنهما على الترتيب بناء على تساويهما في التعريف فقد غاب عنه أن المفعول الثاني في هذا الباب هو المتلبس بالحالة الحادثة أي: أرأيت من جعل هواه إلها لنفسه من غير أن يلاحظه، وبنى عليه أمر دينه معرضا عن استماع الحجة الباهرة والبرهان النير بالكلية اهـ.
قوله: (و جملة من اتخذ الخ) فيه مسامحة لأن من موصولة وهي مع صلتها من قبيل المفرد، وكأنه نظر لصورة جملة الصلة اهـ شيخنا.
قوله: (لا) أشار به إلى أن الاستفهام للإنكار أي: لا تكون وكيلا عليه، ففوض أمره إلينا وهذا تأييس من إيمانهم اهـ شيخنا.
قوله: أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ الخ أم مقدرة ببل والهمزة فهي منقطعة والهمزة المقدرة بها للاستفهام الإنكاري كما ذكره البيضاوي، ثم قال: وتخصيص الأكثر بالذكر لأنه كان منهم من آمن ومنهم من عقل الحق وكابر استكبارا وخوفا على الرئاسة اهـ.
وضمير أكثرهم لمن باعتبار معناها اهـ شيخنا.
قوله: (سماع تفهم) أي: اعتبار واتعاظ. قوله: إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ أي: في عدم انتفاعهم بقرع الآيات آذانهم وعدم تدبرهم فيما شاهدوا من الدلائل والمعجزات، بل هم أضل سبيلا من الأنعام لأنها تنقاد لمن يتعهدها وتميز من يحسن إليها ممن يسيء إليها وتطلب ما ينفعها وتتجنب ما يضرها، وهؤلاء لا ينقادون لربهم ولا يعرفون إحسانه من إساءة الشيطان، ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع ولا يتقون العقاب الذي هو أشد المضار، ولأنها وإن لم تعتقد حقا ولم تكتسب خيرا لم تعتقد باطلا ولم تكتسب شرا بخلاف هؤلاء، ولأن جهالتها لا تضر بأحد، وجهالة هؤلاء تؤدي إلى تهييج الفتن وصد الناس عن الحق لأنها غير متمكنة من طلب الكمال فلا تقصير منها ولا ذم عليها، وهؤلاء مقصرون ومستحقون أعظم العقاب على تقصيرهم اهـ بيضاوي.