فهرس الكتاب
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 432
رؤيته أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ (20) فلم أره لغيبته، فلما تحققها قال
لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا تعذيبا قال: مقدار ألف سنة، فليبلغ الشاهد الغائب فإنه سيد الأنبياء وخاتم الرسل. قال: فأقام بمكة حتى قضى نسكه ثم خرج من مكة صباحا وسار نحو اليمن فوافى صنعاء وقت الزوال، وذلك مسيرة شهر فرأى أرضا حسناء تزهو خضرتها فأحب النزول بها ليصلي ويتغدى، فلما نزل قال الهدهد: قد اشتغل سليمان بالنزول فارتفع نحو السماء ينظر إلى طول الدنيا وعرضها ففعل ذلك. فبينما هو ينظر يمينا وشمالا رأى بستانا لبلقيس فنزل إليه فإذا هو بهدهد آخر وكان اسم هدهد سليمان يعفور وهدهد اليمن عفير، فقال عفير ليعفور: من أين أقبلت؟ من الشأم مع صاحبي سليمان بن داود. قال: ومن سليمان؟
قال: ملك الانس والجن والشياطين والطير والوحش والرياح فمن أنت؟ قال: عفير أنا من هذه البلاد.
قال: ومن ملكها؟ قال: امرأة يقال لها بلقيس وإن لصاحبك ملكا عظيما ولكن ليس ملك بلقيس دونه، فإنها تملك اليمن وتحت يدها أربعمائة ملك كل على كورة مع كل ملك أربعة آلاف مقاتل، ولها ثلاثمائة وزير يدبرون ملكها، ولها اثنا عشر قائدا مع كل قائد اثنا عشر ألف مقاتل، فهل أنت منطلق معي حتى تنظر إلى ملكها؟ قال: أخاف أن يتفقدني سليمان في وقت الصلاة إذا احتاج الماء. قال الهدهد اليماني: إن صاحبك يسره أن تأتيه بخبر هذه الملكة. قال: فانطلق معه ونظر إلى بلقيس وملكها، وأما سليمان فإنه نزل على غير ماء فسأل عن الماء الجن والإنس فلم يعلموا، فتفقد الهدهد فلم يره فدعا بعريف الطير وهو النسر فسأله عن الهدهد فقال: أصلح اللّه الملك ما أدري أين هو، وما أرسلته إلى مكان. فغضب سليمان وقال: لَأُعَذِّبَنَّهُ الآية، ثم دعا العقاب وهو أشد الطير طيرانا فقال له: عليّ بالهدهد الساعة فارتفع العقاب في الهواء حتى نظر إلى الدنيا كالقصعة بين يدي أحدكم، ثم التفت يمينا وشمالا فرأى الهدهد مقبلا من نحو اليمن فانقض العقاب يريده، وعلم الهدهد أن العقاب يقصده بسوء فقال: بحق الذي قواك وأقدرك علي إما ما رحمتني ولم تتعرض لي بسوء، فتركه العقاب وقال: ويلك ثكلتك أمك إن نبي اللّه قد حلف أن يعذبك أو يذبحك، فسارا متوجهين نحو سليمان عليه الصلاة والسّلام فلما انتهيا إلى العسكر تلقاه النسر والطير وقالا له: ويلك أين غبت في يومك هذا فلقد توعدك نبي اللّه وأخبره بما قال سليمان، فقال الهدهد: أو ما استثنى نبي اللّه فقالوا: بلى، إنه قال: أو ليأتيني بسلطان مبين فقال: نجوت إذن وكانت غيبته من الزوال ولم يرجع إلا بعد العصر، فانطلق به العقاب حتى أتيا سليمان وكان قاعدا على كرسيه فقال العقاب: قد أتيتك به يا نبي اللّه، فلما قرب منه الهدهد رفع رأسه وأرخى ذنبه وجناحيه يجرهما على الأرض تواضعا لسليمان، فلما دنا منه أخذ برأسه فمده إليه وقال له: أين كنت لأعذبنك عذابا شديدا، فقال: يا نبي اللّه اذكر وقوفك بين يدي اللّه عز وجل، فلما سمع سليمان عليه الصلاة والسّلام ذلك ارتعد وعفا عنه ثم سأله: ما الذي أبطأك عني؟
فقال الهدهد: أحطت بما لم تحط به الخ اهـ خازن.
قوله: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا الخ الحلف في الحقيقة على أحد الأولين بتقدير عدم الثالث فكلمة أو بين الأولين للتخيير، وفي الثالث للترديد بينه وبينهما. قال الزمخشري: فإن قلت: قد حلف على أحد ثلاثة أشياء فحلفه على فعليه لا كلام فيه، ولكن كيف صح حلفه على فعل الهدهد، ومن أين درى أنه يأتي بسلطان حتى يقول أو ليأتيني بسلطان مبين؟ قلت: لما نظم الثلاثة بأو في الحكم الذي هو