الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 11
اختلاسا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (11) أنها أخته وأنها ترقبه
* وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ أي قبل رده 1 إلى أمه، أي منعناه من قبول ثدي مرضعة غير أمه فلم يقبل ثدي واحدة من المراضع المحضرة له فَقالَتْ أخته هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ لما رأت حنوّهم عليه يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ بالارضاع وغيره وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ (12) وفسرت ضمير له بالملك جوابا لهم، فأجيبت، فجاءت بأمه، جنب بالضم والسكون، وعن سالم عن جانب وكلها بمعنى واحد ومثله الجناب والجنابة اهـ سمين.
وأشار الشارح إلى أن عن بمعنى من، وجنب: بمعنى المكان البعيد. قوله: (اختلاسا) أي:
اختفاء. قوله: (و إنها ترقبه) أي: تنظره.
قوله: وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ الخ شروع في بيان سبب رده إلى أمه اهـ شيخنا.
قوله: (أي منعناه الخ) جعله مجازا إما استعارة أو مرسلا، لأن من حرم عليه شيء فقد منعه لأن الصبي ليس من أهل التكليف. والمراضع جمع مرضع بضم الميم وكسر الضاد وترك التاء إما لاختصاصه بالنساء أو لأنه بمعنى شخص مرضع اهـ شهاب.
قوله: (من المراضع المحضرة) أي: التي أحضرها فرعون. قوله: يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ (بالإرضاع) وهي امرأة قتل ولدها وأحب شيء إليها أن تجد ولدا ترضعه اهـ خازن.
قوله: وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ أي: لا يمنعونه ما ينفعه في تربيته وغذائه، والنصح إخلاص العمل من شوائب الفساد، وقيل: لما قالت وهم له ناصحون قالوا: إنك قد عرفت هذا الغلام فدلينا على أهله، فقالت: ما أعرفه، ولكن قلت وهم للملك ناصحون، وقيل: إنها قالت إنما قلت هذا رغبة في سرور الملك واتصلنا به، وقيل: قالوا لها: من هم؟ قالت: أمي. قالوا: أو لأمك ولد؟ قالت: نعم هارون، وكان هارون ولد في السنة التي لا يقتل فيها الولدان قالوا: صدقت، فأتينا بها فانطلقت إلى أمها وأخبرتها بحال ابنها وجاءت بها إليهم فلما وجد الصبي ريح أمه قبل ثديها وجعل يمصه حتى امتلأ جنباه ريا اهـ خازن.
قوله: (و فسرت) أي: مريم أخته ضمير له أي في قولها: وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ جوابا لهم، وذلك أنها لما قالت هذه الكلمة فهموا منها أنها تعرفه وتعرف أهله، فقالت لهم في الجواب: مرادي بالضمير في له الملك أي: فرعون لا موسى كما فهمتم، ومعنى نصحهم للملك امتثالهم أمره، وقوله:
(فأجيبت) أي: أجابوها عن قولها (هل أدلكم الخ) أي: أذنوا لها في الإتيان بمرضعة، وقوله:
(و أجابتهم) أي: أمه عن قبول ثديها وذلك لأنها لما حضرت وقبل ثديها مع كونه كان قد مكث عندهم ثمانية أيام لا يقبل ثدي مرضعة أصلا، وكان همّ فرعون وامرأته من الدنيا أن يجد له مرضعة يقبل ثديها فاتهموها بأنها أمه، فاعتذرت عن ذلك وأجابتهم بأن سبب قبوله ثديها أنها طيبة الريح وطيبة اللبن اهـ شيخنا:
وفي البيضاوي: روي أن هامان لما سمع قولها وهم له ناصحون قال: إنها لتعرفه وأهله فخذوها واحبسوها حتى تخبر بحاله، فقالت: إنما أردت وهم للملك ناصحون، فأمرها فرعون بأن تأتي بمن