الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 43
[الأخلاص: 1] واختار بعض المشايخ أن يقرأ في الركعة الأولى: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ الآية والركعة الثانية: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب: 36] وكل حسن ثم يدعو بهذا الدعاء بعد السّلام، وهو ما رواه البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد اللّه قال: كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن يقول: «إذا همّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال في عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم ارضني به» قال: «و يسمي حاجته» . وروت عائشة عن أبي بكر رضي اللّه عنهما أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان إذا أراد أمرا قال: «اللهم خر لي واختر لي» . وروى أنس أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال له: «يا أنس إذا هممت بأمر فاستخر ربك فيه سبع مرات ثم انظر إلى ما يسبق إلى قلبك فاعلمه فإن الخير فيه» . قال العلماء: وينبغي له أن يفرغ قلبه من جميع الخواطر حتى لا يكون مائلا إلى أمر من الأمور، فعند ذلك ما يسبق إلى قلبه يعمل عليه فإن الخيرة فيه إن شاء اللّه تعالى، وإن عزم على سفر فيتوخى بسفره يوم الخميس أو يوم الاثنين اقتداء برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ قرطبي رحمه اللّه.
قوله: ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ فيه أوجه، أحدها: أن ما نافية فالوقف على يختار. والثاني: أن ما مصدرية أي: يختار اختيارهم، والمصدر واقع موقع المفعول به أي: مختارهم. الثالث: أن تكون بمعنى الذي والعائد محذوف أي: ما كان لهم الخيرة فيه كقوله: وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [الشورى: 43] أي منه. وجوز ابن عطية أن تكون كان تامة ولهم الخيرة جملة مستأنفة قال:
ويتجه عندي أن تكون مفعوله إذا قدرنا كان التامة أي: أن اللّه يختار كل كامل لهم. ولهم الخيرة مستأنف معناه تعديد النعم عليهم في اختيار اللّه لهم. وقال الزمخشري: ما كان لهم الخيرة بيان لقوله:
وَيَخْتارُ لأن معناه ويختار ما يشاء ولهذا لم يدخل العاطف، والمعنى أن الخيرة للّه تعالى في أفعاله وهو أعلم بوجوه الحكمة فيها ليس لأحد من خلقه أن يختار عليه. قلت: لم يزل الناس يقولون إن الوقف على يختار والابتداء بما على أنها نافية وهو مذهب أهل السنة، ونقل ذلك عن جماعة كأبي جعفر وغيره وأن كونها موصولة متصلة بيختار مذهب المعتزلة، وقال بعضهم: ويختار لهم ما يشاؤوه من الرسل فما على هذا واقعة على العقلاء اهـ سمين.
قوله أيضا: ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ كلام مستأنف أي: ليس لأحد من خلقه أن يختار شيئا اختيارا حقيقيا بحيث يقدم على تنفيذه بدون اختيار اللّه، وإنما فسر الشارح الضمير بالمشركين مراعاة لسبب نزول الآية، وإن كانت العبرة بعموم اللفظ، والآية نزلت في الوليد بن المغيرة حيث قال: لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم اهـ شيخنا.
وفي البيضاوي: ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ أي: التخير كالطيرة بمعنى التطير، وظاهره نفي الاختيار عنهم رأسا والأمر كذلك، فإن اختيار العباد مخلوق باختيار اللّه منوط بدواع لا اختيار لهم فيها اهـ.