الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 57
فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا في إيمانهم علم مشاهدة وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ (3) فيه
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ الشرك والمعاصي أَنْ يَسْبِقُونا يفوتونا فلا ننتقم منهم ساءَ بئس ما الذي يَحْكُمُونَ (4) ه حكمهم هذا
مَنْ كانَ يَرْجُوا يخاف لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ به هشام وكانوا يعذبون بمكة فكانت صدورهم تضيق لذلك اهـ رازي.
قوله: وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ متصل بقوله: أَحَسِبَ النَّاسُ، أو بقوله: وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ. والمعنى أن ذلك سنة قديمة جارية في الأمم كلها فلا ينبغي أن يتوقع خلافه اهـ بيضاوي.
وقوله: متصل بقوله أَحَسِبَ النَّاسُ أي: بأن يكون حالا من فاعله لبيان علية إنكار الحسبان، والمعنى أحسبوا ذلك وقد علموا أنه خلاف سنة اللّه ولن تجد لسنة اللّه تبديلا، والمقصود التنبيه على خطئهم في هذا الحسبان، وقوله: أو بقوله وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ بأن يكون حالا من فاعله لبيان أنه لا وجه لتخصيصهم أنفسهم بعدم الافتتان، والمعنى أحسبوا أن لا يكونوا كغيرهم ولا يسلك بهم مسلك الأمم السابقة فيكون داخلا في حيز متعلق الحسبان المنكر تخطئة لهم اهـ زاده.
وفي القرطبي: وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي: ابتلينا الماضين كالخليل ألقي في النار وكقوم نشروا بالمناشير في دين اللّه فلم يرجعوا عنه. روى البخاري عن خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر ألا تدعو لنا؟ فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها فيؤتي بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه فما يصرفه ذلك عن دينه، واللّه ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا اللّه والذئب على غنمه ولكنكم كنتم تستعجلون اهـ.
قوله: فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا بصيغة الفعل في هذا وقوله: وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ بلفظ اسم الفاعل وفيه نكتة وهي أن اسم الفاعل يدل على ثبوت المصدر في الفاعل ورسوخه فيه والفعل الماضي لا يدل عليه لأن وقت نزول الآية كانت الحكاية عن قوم قريبي العهد بالإسلام، وعن قوم مستمرين على الكفر فعبر في حق الأولين بلفظ وفي حق الآخرين بالصيغة الدالة على الثبات اهـ زاده.
قوله: (علم مشاهدة) أي: ظهور. وهذا جواب ما يقال ظاهر الآية يدل على تجدد علم اللّه ما أن اللّه تعالى عالم بهم قبل الاختبار، وحاصل الجواب أن معنى الآية فليظهرن اللّه الصادقين من الكاذبين حتى يوجد معلومه، وقد تقدم التنبيه على مثل هذا كثيرا اهـ كرخي.
قوله: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ الخ أم منقطعة فتقدر ببل وهمزة الاستفهام اهـ سمين.
وبل التي في ضمنها للإضراب الانتقالي من قصة إلى قصة والهمز التي في ضمنها للاستفهام التوبيخي، فالكلام انتقال من توبيخ الأول على حسبانهم بلوغ الدرجات من غير مشاق بل بمجرد الإيمان، فانتقل منه إلى توبيخ أشد وهو حسبانهم أن يفوتوا عذاب اللّه ويفروا منه. قوله: يَحْكُمُونَ (حكمهم هذا) جعل ما موصولة، ويحكمون صلة، والعائد محذوف كما قدره، والجملة فاعل ساء والمخصوص بالذم محذوف أي: حكمهم، ويجوز أن تكون ما تمييزا ويحكمون صفتها والفاعل مضمر يفسره ما والمخصوص أيضا محذوف، ويجوز أن تكون ما مصدرية وهو قول ابن كيسان، فعلى هذا