الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 58
لَآتٍ فليستعد له وَهُوَ السَّمِيعُ لأقوال العباد الْعَلِيمُ (5) بأفعالهم
وَمَنْ جاهَدَ جهاد حرب أو نفس فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ فإن منفعة جهاده له لا للّه إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (6) الإنس والجن والملائكة وعن عبادتهم
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ بعمل يكون التمييز محذوفا والمصدر المؤول مخصوص بالذم أي: ساء حكما حكمهم وجيء بيحكمون دون حكموا، إما للتنبيه على أن هذا دينهم، وإما لوقوعه موقع الماضي لأجل الفاصلة اهـ كرخي.
قوله: مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ أي: يؤمل ثوابه أو يخاف حسابه أو يطمع في ثوابه وقوله:
(يخاف) لِقاءَ اللَّهِ أي: للبعث والجزاء والحساب، وجواب الشرط محذوف قدره الشارح بقوله (فليستعد له) وليس جواب شرط قوله: فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ لأنه لا يصح أن يكون هو الجواب تأمل.
وفي السمين: قوله: مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ. من يجوز أن تكون شرطية وأن تكون موصولة، والفاء لشبهها بالشرطية، والظاهر أن هذا ليس بجواب لأن أجل اللّه آت لا محالة من غير تقييد بشرط لأنه لو كانت جواب الشرط لزم أن من لا يرجو لقاء اللّه لا يكون أجل اللّه آتيا له، لأن المعلق على شرط ينعدم بانعدام الشرط، بل الجواب محذوف أي: فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا كما قد صرح به اهـ.
قوله: فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ (به) أي: له، وعبارة البيضاوي: فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ أي: فإن الوقت المضروب للقائه لآت لجاء، وإذا كان وقت اللقاء آتيا كان اللقاء كائنا لا محالة فليبادر ما يحقق أمله ويصدق رجاءه أو ما يستوجب به القربة والرضا اهـ.
قوله: الْعَلِيمُ (أفعالهم) أي: وعقائدهم ونفاقهم اهـ قاري.
قوله: وَمَنْ جاهَدَ الخ لما بين اللّه تعالى أن التكليف والامتحان حسن واقع بين أن نفعه يعود إلى المكلف، والحصر المذكور في الآية إضافي معناه أن جهاده لا يصل منه إلى اللّه نفع، فلا يرد أن بقال كيف يستقيم الحصر المذكور مع أن جهاد الشخص قد ينتفع به غيره كما ينتفع الآباء بصلاح الأولاد وينتفع من سنّ سنة حسنة بفعل من استن بها، ثم إنه تعالى لما بين إجمالا أن من عمل صالحا فإنما يعمل لنفسه فصل ذلك النفع بعض تفصيل، فقال: وَالَّذِينَ آمَنُوا الخ اهـ زاده.
وفي الخازن: الجهاد هو الصبر على الشدة، وقد يكون في الحرب، وقد يكون في مخالفة النفس اهـ.
قوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يجوز أن يكون مرفوعا بالابتداء، والخبر جملة القسم المحذوفة وجوابها أي: واللّه لنكفرن، ويجوز أن يكون منصوبا بفعل مضمر على الاشتغال أي ونخلص الذين آمنوا من سيئاتهم اهـ سمين.
فإن قلت: يستدعي وجود السيئات حتى تكفر والذين آمنوا وعملوا الصالحات بأسرها من أين تكون لهم سيئة؟ فالجواب: أنه ما من مكلف إلّا وله سيئة أما غير الأنبياء فظاهر، وأما الأنبياء فلأن ترك الأفضل منهم كالسيئة من غيرهم، ولهذا قال تعالى: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ [التوبة: 43] لهم اهـ كرخي.