الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 60
الأنبياء والأولياء بأن نحشرهم معهم
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ أي أذاهم له كَعَذابِ اللَّهِ في الخوف منه فيطيعهم فينافق وَلَئِنْ لام قسم جاءَ نَصْرٌ للمؤمنين مِنْ رَبِّكَ فغنموا لَيَقُولُنَ حذف منه نون الرفع لتوالي النونات، والواو ضمير الجمع لالتقاء الساكنين إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ في الإيمان فأشركونا في الغنيمة، قال تعالى أَوَلَيْسَ قوله: (بأن نحشرهم معهم) أشار به إلى أنه معنى إدخالهم فيهم كونهم معدودين من جملتهم لاتصافهم بصفتهم اهـ شهاب.
قوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ الخ لما بين المؤمنين والكافرين فيما تقدم في قوله:
فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ وبين الكفار بقوله: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ [العنكبوت: 40] وبين المؤمنين بقوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ [العنكبوت: 70] الخ بين حال المنافقين بقوله: وَمِنَ النَّاسِ الخ، وعبارة النهر: ونزلت في المنافقين، ولما ذكر تعالى ما أعده للمؤمنين ذكر حال المنافقين ناس آمنوا بألسنتهم، فإذا آذاهم الكفار جعلوا ذلك الأذى صارفا لهم عن الإيمان كما أن عذاب اللّه صارف للمؤمنين عن الكفر، انتهت.
قوله: فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ أي عذبوا تعذيبا لم يصبروا عليه وتركوا الدين الحق، وكان يمكنهم أن يصبروا على الأذى إلى حد الإكراه وتكون قلوبهم مطمئنة بالإيمان، فجعل المنافقون فتنة الناس صارفة عن الإيمان كما أن عذاب اللّه صارف للمؤمنين عن الكفر، فعذاب الناس له دافع وعذاب اللّه ما له من دافع، وأيضا عذاب الناس يترتب عليه ثواب عظيم وعذاب اللّه بعده عذاب أليم، والمشقة إذا كانت مستتبعة للراحة العظيمة تطيب له النفس ولا تعد عذابا كما تقطع السلعة المؤذية ولا تعد عذابا، واعلم أن الأقسام ثلاثة: مؤمن ظاهرا وباطنا، ومؤمن ظاهرا لا باطنا، وكافر ظاهرا وباطنا اهـ رازي.
وقال الشهاب وفي للسببية أو المراد في سبيل اللّه اهـ.
قوله: كَعَذابِ اللَّهِ أي: جزع من أذى الناس ولم يصبر عليه، فأطاع الناس كما يطيع اللّه من يخاف عذابه، فإن قيل: هذا يقتضي منع المؤمن من إظهار كلمة الكفر بالإكراه لأن من أظهر كلمة الكفر بالإكراه احترازا عن التعذيب العاجل يكون قد جعل فتنة الناس كعذاب اللّه، فالجواب: أن الأمر ليس كذلك لأن من أكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان لم يجعل فتنة الناس كعذاب اللّه، لأن عذاب اللّه يوجب ترك ما يعذب عليه ظاهرا وباطنا والمكره ليس كذلك بل في باطنه الإيمان اهـ كرخي.
قوله: لَيَقُولُنَ العامة على ضم اللام أسند الفعل لضمير الجماعة حملا على معنى من بعد أن حمل على لفظها، ونقل أبو معاذ النحوي أنه قرأ ليقولن بالفتح جريا على مراعاة لفظها أيضا، وقراءة العامة أحسن لقوله: إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ اهـ سمين.
قوله: إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ في الإيمان أي: وإنما أكرهنا حتى قلنا ما قلنا اهـ خازن.
وفيه إشارة إلى أن المراد المعية في الإيمان، وليس المراد المعية والصحبة في القتال لأنها غير واقعة اهـ شهاب.