الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 62
فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ أي الماء الكثير، طاف بهم وعلاهم فغرقوا وَهُمْ ظالِمُونَ (14) مشركون
فَأَنْجَيْناهُ أي نوحا وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ أي الذين كانوا معه فيها وَجَعَلْناها آيَةً عبرة لِلْعالَمِينَ (15) لمن بعدهم من الناس إن عصوا رسلهم، وعاش نوح بعد الطوفان ستين سنة أو وهو ابن ثلاثمائة وخمسين، ونوح بن لمك بفتح اللام وسكون الميم والكاف ابن متوشلخ بضم الميم وفتح التاء الفوقية والواو وسكون الشين وكسر اللام وبالخاء المعجمة، كما ضبطه ابن الأثير، ابن إدريس بن بزد بن أهاليل بن قيتان بن أنوش بن شيث بن آدم، وبين نوح وآدم ألف سنة اهـ.
وفي القرطبي: وكان اسم نوح السكن، وإنما سمي السكن لأن الناس بعد آدم سكنوا إليه فهو أبوهم، وولد له سام وحام ويافث، فولد سام العرب وفارس والروم وفي كل هؤلاء خير، وولد حام القبط والسودان وبربر، وولد يافث الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج، وليس في كل هؤلاء خير. وقال ابن عباس: في ولد سام بياض وأدمة، وفي ولد حام سواد وبياض قليل، وفي ولد يافث الصفرة والحمرة وكان له ولد رابع وهو كنعان الذي غرق، والعرب تمسيه يام. وسمين نوح نوحا لأنه ناح على قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى اللّه تعالى فكان كلما كفروا بكى وناح عليهم، وذكر القشيري أبو القاسم عبد الكريم في كتاب التحبير له: روي أن نوحا عليه السّلام كان اسمه يشكر، ولكن لكثرة بكائه على خطيئته أوحى اللّه تعالى إليه يا نوح كم تنوح فسمي نوحا، فقيل: يا رسول اللّه أي شيء كانت خطيئته؟ فقال: «إنه مرّ بكلب فقال في نفسه ما أقبحه، فأوحى اللّه تعالى إليه أخلق أنت أحسن من هذا» اهـ.
وفي الخطيب: وأما قبره فقد روى ابن جرير والأرزقي حديثا مرسلا أن قبره بالمسجد الحرام، وقيل: ببلد البقاع يعرف اليوم بكرك نوح وهناك جامع قد بني بسبب ذلك اهـ.
قوله: فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ ألف منصوب على الظرف وإِلَّا خَمْسِينَ عامًا منصوب على الاستثناء، وفي وقوع الاستثناء من أسماء العدد خلاف وللمانعين عنه جواب في هذه الآية، وقد روعيت هنا نكتة لطيفة وهي أنه غاير بين تمييز العددين فقال في الأول سنة وفي الثاني عاما لئلا يثقل اللفظ، ثم إنه خص لفظ العام بالخمسين إيذانا بأن نبي اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما استراح منهم بقي في زمن حسن، والعرب تعبر عن الخصب بالعام وعن الجدب بالسنة اهـ سمين.
فإن قلت: ما الفائدة في ذكر مدة لبثه؟ قلت: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يضيق صدره بسبب عدم دخول الكفار في الإسلام فقال له اللّه تعالى: إن نوحا لبث هذا العدد الكثير ولم يؤمن من قومه إلا القليل فصبر وما ضجر، فأنت أولى بالصبر لقلة مدة لبثك وكثرة عدد أمتك اهـ رازي.
قوله: (طاف بهم) أي: أحاط وارتفع على أعلى جبل أربعين ذراعا، وقيل: خمسة عشر حتى غرق كل شيء غير من في السفينة اهـ خازن من سورة هود.
وفي قوله: (طاف بهم الخ) إشارة إلى ما قاله الرازي من أن معنى الطوفان كل ما طاف أي أحاط بالإنسان لكثرته ماء كان أو غيره كالظلمة، ولكنه غلب في الماء كما هو المراد هنا اهـ شهاب.
قوله: (إن عصوا رسولهم) مفرد مضاف فيعم وفي نسخة رسلهم اهـ شيخنا.