فهرس الكتاب
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 76
غيره من الطاعات وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ (45) فيجازيكم به
* وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي أي المجادلة التي هِيَ أَحْسَنُ كالدعاء إلى اللّه بآياته والتنبيه على حججه إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فقال: «لو ضرب بسيفه الكفار والمشركين حين ينكسر ويختضب دما لكان الذاكرون اللّه كثيرا أفضل منه درجة» اهـ.
وقوله: أَكْبَرُ أي أفضل وقوله: (من غيره من الطاعات) أي: التي ليس فيها ذكر اللّه، وقد نقل القرطبي هذا التقييد عن ابن زيد وقتادة، وقيل: معنى أكبر إنه أشد تأثيرا في الزجر والنهي عن الفحشاء والمنكر من الصلاة إذا داوم عليه العبد. قال ابن عطية: وعندي أن المعنى ولذكر اللّه أكبر على الإطلاق أي: هو الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر فالجزء الذي منه في الصلاة يفعل ذلك وكذلك يفعل في غير الصلاة، لأن الانتهاء لا يكون إلا ممن ذكر اللّه مراقبا له اهـ. والذكر النافع هو الذي يكون مع العلم واقبال القلب وتفرغه مما سوى اللّه تعالى، أما ما لا يتجاوز اللسان ففي رتبة أخرى اهـ قرطبي.
وقيل: المراد بالذكر نفس الصلاة، وعبارة أبي السعود: ولذكر اللّه أكبر أي للصلاة أكبر من سائر الطاعات، وإنما عبر عنها به كما في قوله تعالى: فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [الجمعة: 9] للإيذان بأن ما فيها من ذكر اللّه تعالى هو العمدة في كونها مفضلة على الحسنات ناهية عن السيئات اهـ.
قوله: يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ أي: من الذكر ومن سائر الطاعات فيجازيكم به أحسن المجازاة اهـ بيضاوي.
قوله: وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ شروع في بيان إرشاد أهل الكتاب بعد بيان إرشاد أهل الشرك اهـ شيخنا.
واختلف العلماء في قوله: وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ فقال مجاهد: هي محكمة فيجوز مجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن على معنى الدعاء لهم إلى اللّه عز وجل، والتنبيه على حججه وآياته رجاء إجابتهم إلى الإيمان لا على طريق الإغلاظ والمخاشنة، وقوله على هذا: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ معناه إلا الذين ظلموكم، وإلّا فكلهم ظلمة على الإطلاق، وقيل: المعنى لا تجادلوا من آمن بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم من أهل الكتاب المؤمنين كعبد اللّه بن سلام ومن آمن معه إلا بالتي هي أحسن أي: في الموافقة فيما حدثوكم به من أخبار أوائلهم وغير ذلك، وقوله على هذا التأويل: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا يريد من بقي في كفرهم منهم كمن كفر وغدر من قريظة والنضير وغيرهم والآية على هذا أيضا محكمة. وقيل: هذه الآية منسوخة بآية القتال أي: قوله تعالى: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [التوبة: 29] قال قتادة: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا أي: جعلوا للّه ولدا وقالوا: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ [المائدة: 64] وإن اللّه فقير فهؤلاء كالمشركين في سقوط الجزية. وقال النحاس وغيره: من قال هي منسوخة احتج بأن الآية مكية ولم يكن في ذلك الوقت قتال مفروض ولا طلب جزية ولا غير ذلك، وقول مجاهد حسن لأن أحكام اللّه عز وجل لا يقال فيها إنها منسوخة إلا بخير يقطع العذر أو حجة من معقول، واختار هذا القول ابن العربي.
قال مجاهد، وسعيد بن جبير: وقوله: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ معناه إلا الذين نصبوا للمؤمنين الحرب فجدالهم بالسيف حتى يسلموا أو يعطوا الجزية اهـ قرطبي.
قوله: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ استثناء متصل وفيه معنيان، أحدهما: إلا الظلمة فلا تجادلوهم