الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 84
وفي قراءة بسكون اللام أمر تهديد فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (66) عاقبة ذلك
أَوَلَمْ يَرَوْا يعلموا أَنَّا جَعَلْنا بلدهم مكة حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ قتلا وسبيا دونهم أَفَبِالْباطِلِ الصنم يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (67) بإشراكهم
وَمَنْ أي لا أحد أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا بأن أشرك به أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِ النبي أو الكتاب لَمَّا جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً مأوى لِلْكافِرِينَ (68) أي فيها ذلك وهو منهم
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا في حقنا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا أي طرق السير إلينا قوله: وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ الجملة حال بتقدير مبتدأ أي: وهم يتخطف الناس الخ اهـ شيخنا.
قوله: (أي فيها ذلك) أشار به إلى أن همزة الإنكار إذا دخلت على النفي صار إيجابا فيرجع إلى معنى التقرير اهـ كرخي.
قوله: (و هو) أي من افترى على اللّه كذبا وكذب بالحق وقوله: (منهم) أي من الكافرين اهـ.
قوله: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا أي: أوقعوا الجهاد بغاية جهدهم على ما دل عليه بالمفاعلة فينا، أي: بسبب حقنا ومراقبتنا خاصة بلزوم الطاعات من جهاد الكفار وغيرهم من كل ما ينبغي الجهاد فيه بالقول والفعل في الشدة والرخاء، ومخالفة الهوى عند هجوم الفتن، وشدائد المحن مستحضرين لعظمتنا لنهدينهم سبلنا أي: طرق السير إلينا، وهي الطريق المستقيمة، والطريق المستقيمة هي التي توصل إلى رضا اللّه عز وجل. قال سفيان بن عيينة: إذا اختلف الناس فانظروا ما عليه أهل الثغور فإن اللّه تعالى قال: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا. وقال الحسن: الجهاد مخالفة الهوى، وقال الفضيل بن عياض: والذين جاهدوا في طلب العلم لنهدينهم سبل العمل به. وقال سهل بن عبد اللّه:
والذين جاهدوا في طاعتنا لنهدينهم سبل ثوابنا. وقال أبو سليمان الداراني: والذين جاهدوا فيما علموا لنهدينهم إلى ما لم يعلموا. وعن بعضهم من عمل بما علم وفق لعلم ما لم يعلم، وقيل: إن الذي نرى من جهلنا بما لم نعلم إنما هو من تقصيرنا فيما نعلم، وقيل: المجاهدة هي الصبر على الطاعة اهـ خطيب.
وعبارة القرطبي: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا أي: جاهدوا الكفار فينا أي لطلب مرضاتنا. قال السدي وغيره: إن هذه الآية نزلت قبل فرض القتال، وقال ابن عطية: فهي قبل الجهاد العرفي، وإنما هو جهاد عام في دين اللّه وطلب مرضاته. قال الحسن بن أبي الحسن: الآية في العباد. وقال عياش، وإبراهيم بن أدهم: هي في الذين يعملون بما يعلمون. وقد قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «من عمل بما علم علمه اللّه ما لم يعلم» . وقال عمر بن عبد العزيز: إنما قصر بنا عن علم ما جهلنا تقصيرنا في العمل بما علمنا ولو عملنا ببعض ما علمنا لأورثنا علما لا تقوم به أبداننا، قال تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ[البقرة:
282]. وقال أبو سليمان الداراني: ليس الجهاد في الآية قتال الكفار فقط بل هو نصر الدين والرد على المبطلين وقمع الظالمين وأعظمه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنه مجاهدة النفوس في طاعة اللّه تعالى وهو الجهاد الأكبر. قال ابن عيينة: مثل السنة في الدنيا كمثل الجنة في العقبى من دخل الجنة في العقبى سلم فكذلك من لزم السنة في الدنيا سلم. قال عبد اللّه بن سلام: والذين جاهدوا في طاعتنا