فهرس الكتاب
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 213
أعطي سليمان وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ بأمر رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ يعدل مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا له بطاعته نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ (12) النار في الآخرة، وقيل في الدنيا بأن يضربه ملك بسوط منها ضربة تحرقه
يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ أبنية مرتفعة يصعد إليها بدرج وَتَماثِيلَ جمع قوله: مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ يجوز أن يكون مرفوعا بالابتداء، وخبره الجار والمجرور قبله أي:
من الجن من يعمل، وأن يكون في موضع نصب بفعل مقدر أي: وسخرنا من يعمل، ومن الجن متعلق بهذا المقدر أو بمحذوف على أنه حال أو بيان اهـ سمين.
ويؤيد الاحتمال الثاني ما في سورة ص من قوله تعالى: وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ[ص:
37]فإنه هناك منصوب بسخرنا المصرح به. قوله: عَنْ أَمْرِنا (له) أي: لمن يزغ، وقوله: (بطاعته) أي: سليمان. قوله: (بأن يضربه ملك) أي: وكله اللّه الجن للذين يستعملهم سليمان، فكان بيده سوط من نار فمن زاغ منهم عن طاعة سليمان ضربه بذلك السوط ضربة أحرقته اهـ خازن.
قوله: يَعْمَلُونَ لَهُ الخ تفصيل لما ذكر من عملهم اهـ أبو السعود.
قوله: (أبنية مرتفعة) فليس المراد بها محاريب المساجد التي هي مواضع صلاة الإمام الراتب المسماة بالقبل اهـ شيخنا.
وفي البيضاوي: من محاريب أي: أبنية مرتفعة سميت بالمحاريب لأنها يذب عنها ويحارب عليها اهـ. وكتب عليها الشهاب.
قوله: (أبنية مرتفعة) هذا أصل معنى المحراب وسمي باسم صاحبه لأنه يحارب غيره في حمايته ثم نقل إلى الطاق التي يقف بحذائها الإمام وهي مما أحدث في المساجد اهـ.
وكان مما عملوا له بيت المقدس، وذلك أن داود ابتدأه، أي: ابتدأ بناءه في موضع فسطاط أي:
خيمة موسى التي كان ينزل فيها فرفعه قدر قامة، فأوحى اللّه إليه لم يكن تمامه على يديك بل على يد ابن لك اسمه سليمان. فلما قضي على داود واستخلف سليمان وأحب إتمامه جمع الجن والشياطين وقسم عليهم الأعمال، فأرسل بعضهم في تحصيل الرخام، وبعضهم في تحصيل البلور من معادنه وأمر ببناء المدينة بالرخام والصفائح، فلما فرغ منها ابتدأ في بناء المسجد فوجه الشياطين فرقا منهم من يستخرج الذهب والفضة من معادنها، ومنهم من يستخرج الجواهر والياقوت والدر الصافي من أماكنها، ومنهم من يأتيه بالمسك والطيب والعنبر من أماكنه. فأتى من ذلك بشيء كثير، ثم أحضر الصناع لنحت تلك الأحجار وإصلاح تلك الجواهر وثقب تلك اليواقيت واللالي، فبناه بالرخام الأبيض والأصفر والأخضر، وجعل عمده من البلور الصافي وسقفه بأنواع الجواهر، وبسط أرضه بالعنبر، فلم يكن على وجه الأرض يومئذ بيت أبهى ولا أنور منه، فكان يضيء في الظلمة كالقمر ليلة البدر، فلم يزل على هذا البناء حتى غزاه بختنصر فخرب المدينة وهدمه وأخذ ما فيه من الذهب والفضة وسائر أنواع الجواهر وحمله إلى ملكه بالعراق اهـ خازن.
قوله أيضا: مِنْ مَحارِيبَ المحاريب في اللغة كل موضع مرتفع، وقيل للذي يصلى فيه:
محراب لأنه يجب أن يرفع ويعظم، وقال الضحاك: من محاريب أي: من مساجد وكذا قال قتادة،