فهرس الكتاب
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 222
النعمة وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بالكفر فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ لمن بعدهم في ذلك وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ فرقناهم في البلاد كل التفريق إِنَّ فِي ذلِكَ المذكور لَآياتٍ عبرا لِكُلِّ صَبَّارٍ عن المعاصي شَكُورٍ (19) على النعم
وَلَقَدْ صَدَّقَ بالتخفيف والتشديد عَلَيْهِمْ أي الكفار منهم سبأ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ أنهم بإغوائه يتبعونه فَاتَّبَعُوهُ فصدق بالتخفيف في ظنه، أو صدق بالتشديد منازل أسفارنا أي: المنازل التي ننزل فيها بأن يكون بين كل واحد والآخر مسافة بعيدة، والمفاوز جمع مفوزة. وفي المصباح: المفاوز الموضع المهلك مأخوذة من فوز بالتشديد إذا مات لأنها مظنة الموت، وقيل: من فاز إذا نجا وسلم سميت به تفاؤلا بالسلامة اهـ.
قوله: (في ذلك) أي: بسبب ذلك أي: بسبب ما حصل لهم أي: جعلناهم بحيث يتحدث الناس بهم متعجبين من أحوالهم ومعتبرين بعاقبتهم ومآلهم اهـ أبو السعود.
وعبارة البيضاوي: ويتحدث الناس بهم تعجبا وضرب مثل، فيقولون: تفرقوا أيدي سبأ اهـ.
الأيدي هنا بمعنى الأولاد لأنه يعتضد بهم، وفي المفصل الأيدي الأنفس كناية أو مجاز. قال في الكشف: وهو أحسن تأمل اهـ شهاب.
قوله: كُلَّ مُمَزَّقٍ أي: فرقناهم تفريقا لا يتوقع بعده عود اتصال: قال الشعبي: فلحقت الأنصار بيثرب، وغسان بالشام، والأزد بعمان، وخزاعة بتهامة وكانت العرب تضرب بهم المثل فيقال: تفرقوا أيادي سبأ، وأيادي سبأ أي: مذاهب سبأ وطرقها اهـ قرطبي.
قوله: (المذكور) أي: من قصتهم اهـ أبو السعود.
قوله: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ عليهم متعلق بصدق كما تقول: صدقت عليك فيما ظننته بك ولا تتعلق بالظن لاستحالة تقدم شيء من الصلة على الموصول اهـ قرطبي.
قوله: (إنهم بإغوائه يتبعونه) وسنده في هذا الظن ما رآه منهم من انهماكهم في الشهوات أو من إصغار آدم إلى وسوسته، فقال: إن ذريته أضعف منه، وقيل: ظن ذلك عند قول الملائكة: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها [البقرة: 30] اهـ أبو السعود.
قوله: (فصدق بالتخفيف الخ) مراده بهذا تفسير القراءتين وهما سبعيتان. وقوله: (في ظنه) يشير به إلى أن ظنه على قراءة التخفيف منصوب بنزع الخافض، وقوله: (أو صدق بالتشديد الخ) يشير به إلى أن ظنه على قراءة التشديد مفعول به، والمعنى حقق ظنه أو وجده صادقا، ويصح أن يكون على التخفيف مفعولا به أيضا، فإن الصدق يعدى إلى ما هو في معنى القول بنفسه، فيقال: صدق وعده أي:
جعل وعده مصادقا، والظن كالوعد في أنه نوع من القول ومن قرأ صدق بالتشديد جعله مفعولا به، وقال: معناه حقق عليهم ظنه أي: صار فيما ظنه على يقين لأنه ظن أولا أن يغويهم حيث قال في حق بني آدم: لَأُغْوِيَنَّهُمْ [ص: 82] ولَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ [الإسراء: 62] إلا أنه لم يكن على يقين في أنه يتأتى له ذلك اهـ زاده.