الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 316
تؤمر به
فَالزَّاجِراتِ زَجْرًا (2) الملائكة تزجر السحاب أي تسوقه
فَالتَّالِياتِ أي قراء القرآن يتلونه ذِكْرًا (3) مصدر من معنى التاليات
إِنَّ إِلهَكُمْ يا أهل مكة لَواحِدٌ (4)
رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الملائكة لأنها مشعرة بالتأنيث، والملائكة مبرؤون عن هذه الصفة. وأجيب بوجهين، الأول: أن الصافات جمع الجمع فإنه يقال جماعة صافة ثم يجمع على صافات. والثاني: أنهم مبرؤون عن التأنيث المعنوي، وأما التأنيث اللفظي فلا وكيف وهم يسمون بالملائكة مع أن علامة التأنيث حاصلة.
تنبيه: اختلف الناس ههنا في المقسم به على قولين، أحدهما: أن المقسم به خالق هذه الأشياء لنهيه صلّى اللّه عليه وسلّم عن الحلف بغير اللّه تعالى، ولأن الحلف في مثل هذا الموضع تعظيم للمحلوف به، ومثل هذا التعظيم لا يليق إلا باللّه تعالى ففي ذلك إضمار تقديره: ورب الصافات والزاجرات والتاليات ومما يؤكد هذا أنه تعالى صرّح به في قوله تعالى: وَالسَّماءِ وَما بَناها وَالْأَرْضِ وَما طَحاها [الشمس: 6] .
والثاني: وعليه الأكثر أن المقسم به هذه الأشياء لظاهر اللفظ فالعدول عنه خلاف الدليل، وأما النهي عن الحلف بغير اللّه تعالى فهو نهي للمخلوق عن ذلك اهـ خطيب.
وأما الخالق جل جلاله فيقسم ببعض مخلوقاته تعظيما لها كقوله: والشمس، والليل، والضحى، والطور، والنجم إلى غير ذلك.
قوله: (في العبادة) أي: في مقاماتها المعلومة حسبما ينطق به قوله تعالى: وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ [الصافات: 164] اهـ أبو السعود.
قوله: (أو أجنحتها) ومعنى صفها بسطها كما سيأتي له في سورة تبارك. وقوله: (ما تؤمر به) أي من صعود أو هبوط أو غيرها اهـ شيخنا.
قوله: (أي قراءة القرآن الخ) في نسخة أي جماعة قراء القرآن تتلوه اهـ.
قوله: إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ جواب القسم، فإن قلت: ذكر الحلف في هذا الموضع غير لائق وبيانه من وجهين، الأول: أن المقصود من هذا القسم إما إثبات هذا المطلوب عند المؤمن والكافر، فالأول باطل لأن المؤمن مقر به من غير حلف، والثاني باطل أيضا لأن الكافر لا يقر به سواء حصل الحلف أو لم يحصل، فهذا الحلف عديم الفائدة على كل تقدير. الثاني: أنه يقال أقسم في أول هذه السورة على أن الإله واحد، وأقسم في أول سورة والذاريات على أن القيامة حق، فقال: وَالذَّارِياتِ ذَرْوًا [الذاريات: 1] إلى قوله: إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ الذاريات: 6] وإثبات هذه المطالب العالية الشريفة على المخالفين من الدهرية وأمثالهم بالحلف لا يليق بالعقلاء. أجيب على ذلك بأوجه، أولها: أنه تعالى قرر التوحيد وصحة البعث والقيامة في غالب السور بالدلائل الغيبية، فلما تقدم ذكر تلك الدلائل لم يبعد تقريرها بذكر القسم تأكيدا لما تقدم، لا سيما والقرآن أنزل بلغة العرب، وإثبات المطالب بالحلف واليمين طريقة مألوفة عند العرب. ثانيها: أن المقصود من هذا الكلام الرد على عبدة الأصنام في قولهم بأنها آلهة، فكأنه قيل: إن هذا المذهب قد بلغ في السقوط والركاكة إلى حيث يكفي في إبطاله مثل هذه الحجة. ثالثها: أنه تعالى لما أقسم بهذه الأشياء على صحة قوله: إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ عقبه بما هو الدليل اليقيني في كون الإله وهو قوله: رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الخ اهـ خطيب.