الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 317
وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ (5) أي والمغارب للشمس، لها كل يوم مشرق ومغرب
إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا قوله: رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الخ بدل من واحد، أو خبر ثان، أو خبر مبتدأ محذوف اهـ سمين.
قوله: وَرَبُّ الْمَشارِقِ إعادة الرب فيها لما فيها من غاية ظهور آثار الربوبية وتجددها كل يوم، فإنها ثلاثمائة وستون مشرقا، فالشمس تشرق كل يوم من مشرق منها، وبحسبها اختلفت المغارب فتغرب كل يوم في مغرب اهـ أبو السعود.
قوله: (أي والمغارب للشمس) أشار بهذا إلى أن في الكلام اكتفاء على حد سرابيل تقيكم الحر، واقتصر على المشارق ولم يعكس لأن شروق الشمس سابق على غروبها، وأيضا فالشروق أبلغ في النعمة وأكثر نفعا من الغروب، فذكر المشرق تنبيها على كثرة إحسان اللّه تعالى على عباده، ولهذه الدقيقة استدل إبراهيم عليه الصلاة والسّلام بالمشرق فقال: فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ [البقرة: 285] وجمع هنا المشرق وحذف مقابله، وثناه في الرحمن، وجمعه في المعارج وأفرده في المزمل مع ذكر مقابله في الثلاثة، لأن القرآن نزل على المعهود من أساليب كلام العرب وفنونه، ومنها الإجمال والتفصيل والذكر والحذف والتثنية والجمع والإفراد باعتبارات مختلفة، فأفرد وأجمل في المزمل أراد مشرق الصيف والشتاء ومغربهما، وجمع وفصل في المعارج أراد مشارق السنة ومغاربها وهي تزيد على سبعمائة، وثنى وفصل في الرحمن أراد مشرقي الصيف والشتاء ومغربيها، وجمع وحذف هنا أراد جميع مشارق السنة، واقتصر عليه لدلالته على المحذوف كما مرت الإشارة إليه، وخص ما هنا بالجمع موافقة للمجموع أول السورة وبالحذف مناسبة للزينة إذ هي إنما تكون غالبا بالضياء والنور وهما ينشآن من المشرق لا من المغرب، وما في الرحمن بالتثنية موافقة للتثنية في يَسْجُدانِ [الرحمن: 6] وفي: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ [الرحمن: 25] وبذكر المقابلين موافقة لبسط صفاته تعالى وإنعاماته، ثم وما في المعارج بالجمع موافقة للجمع قبله وبعده وبذكر المقابلين موافقة لكثرة التأكيد في القسم وجوابه، وما في المزمل بالإفراد موافقة لما قبله من إفراد ذكر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وما بعده من إفراد ذكر اللّه تعالى وبذكر المقابلين موافقة للحصر في قوله: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ* ولبسط أوامر اللّه تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم ثم اهـ كرخي.
قوله: (لها كل يوم مشرق ومغرب) أي: محل تشرق منه ومحل تغرب فيه. قال السدي:
المشارق ثلاثمائة وستون مشرقا وكذلك المغارب، فإن قلت: قد قال في موضع آخر رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ [الرحمن: 17] : وقال في موضع آخر رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ [المزمل: 9] فما وجه الجمع بين هذه المواضع؟ قلت أراد بالمشرق والمغرب الجهة التي تطلع فيها الشمس وتغرب، وأراد بالمشرقين مشرق الصيف ومشرق الشتاء، ومغرب الصيف ومغرب الشتاء، وبالمشارق والمغارب ما تقدم من قول السدي اهـ خازن.
وعبارة الخطيب: قد خلق اللّه تعالى للشمس ثلاثمائة وستين كوة في المشرق وثلاثمائة وستين كوة في المغرب على عدد أيام السنة، تطلع الشمس كل يوم من كوة منها وتغرب في كوة منها لا ترجع إلى الكوة التي تطلع منها ذلك اليوم إلا من العام المقبل، انتهت.