فهرس الكتاب

الصفحة 2333 من 2941

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 375

أعمالنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ (16) قالوا ذلك استهزاء، قال تعالى

اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ أي القوة في العبادة، كان يصوم يوما ويفطر يوما، ويقوم نصف الليل وينام ثلثه ويقوم قوله: قِطَّنا أي: نصيبنا وحظنا، وأصله من قط الشيء أي قطعه، ومنه قط القلم. والمعنى قطعة مما وعدتنا به، ولهذا يطلق على الصحيفة والصك قط لأنهما قطعتان يقطعان، وقيل: للجائزة أيضا قط لأنها قطعة من العطية، ويجمع على قطوط مثل حمل وحمول، وعلى قططة مثل قرد وقردة وقرود، وفي القلة على أقططة وأقطاط مثل قدح وأقدحه وأقداح اهـ سمين.

قوله: (أي كتاب أعمالنا) سمي قطا أي مقطوعا من القط وهو القطع، لأن صحيفة الأعمال قطعة ورق مقطوعة من غيرها اهـ شيخنا.

قوله: قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ أي: في الدنيا.

قوله: وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ أي: تذكر قصته وصن نفسك عن أن تترك ما كلفت به من مصابرتهم وتحمل أذاهم لئلا يلقاك من المعاتبة مثل ما وقع له اهـ أبو السعود.

وهذا شروع في ذكر قصص لجملة من الأنبياء كداود وسليمان وأيوب وغيرهم، والقصد بها تسليته صلّى اللّه عليه وسلّم أي: اذكر ما حصل لهم من المشاق والمحن فصبروا حتى فرج اللّه عنهم فصارت عاقبتهم أحسن عاقبة، فكذلك أنت تصبر ويؤول أمرك إلى أحسن مآل اهـ نهر.

وفي زاده ما نصه: المقصود من جميع هذه القصص الاعتبار كأن اللّه يقول: يا محمد اصبر على سفاهة قومك، فإنه ما كان في الدنيا أحد أكثر نعمة ولا مالا ولا جاها من داود وسليمان، وما كان أحد أكثر بلاء ومحنة من أيوب، فتأمل في أحوال هؤلاء لتعلم أن أحوال الدنيا لا تنتظم لأحد، فإن العاقل لا بد له من الصبر على المكاره، واذكر أيضا إبراهيم حيث ألقي في النار، وصبر إسحاق حيث عرض على الذبح، وصبر يعقوب حيث فقد ولده وذهب بصره اهـ.

قوله: ذَا الْأَيْدِ الأيد مفرد بوزن البيع وهو مصدر وليس جمع يد. وفي المصباح: آد الرجل يئيد من باب باع أيدا وإيادا بكسر الهمزة إذا قوي واشتد فهو أيد مثل سيد وهين، ومنه قولهم: أيدك اللّه تأييدا اهـ.

قوله: (و يقوم نصف الليل الخ) هكذا وقع في كثير من النسخ وهو يوافق تعبير القرطبي والبيضاوي وأبي السعود. ووقع في بعض النسخ: كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه وهذا هو الموافق لما في الصحيحين: وعبارة الخازن: روى الشيخان عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال:

قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إن أحب الصيام إلى اللّه صيام داود وأحب الصلاة إلى اللّه صلاة داود كان يصوم يوما ويفطر يوما وكان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه» اهـ.

وفي الكرخي: الذي قاله الجلال السيوطي في الجامع الصغير: «أحب الصيام إلى اللّه صيام داود كان يصوم يوما ويفطر يوما، وأحب الصلاة إلى اللّه صلاة داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه» رواه الإمام أحمد في مسنده والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن ابن عمر اهـ.

فلعل سيدنا داود عليه السّلام كان أحيانا هكذا وأحيانا هكذا اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت