فهرس الكتاب
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 380
تُشْطِطْ تجر وَاهْدِنا أرشدنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ (22) وسط الطريق الصواب
إِنَّ هذا أَخِي أي على بغير حق وإلى الطمع في زوجته وكلاهما منكر عظيم، فلا يليق بعاقل أن يظن بداود عليه الصلاة والسّلام هذا، فإن قلت: في الآية يدل على صدور الذنب منه، وهو قوله تعالى: وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ وقوله: فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وقول: وَأَنابَ وقوله: فَغَفَرْنا لَهُ ذلك. قلت: ليس في هذه الألفاظ شيء مما يدل على ذلك وذلك لأن مقام النبوة أشرف المقامات وأعلاها فيطالبون بأكمل الأخلاق والأوصاف وأسناها، فإذا نزلوا من ذلك إلى طبع البشرية عاتبهم اللّه تعالى على ذلك وغفره لهم كما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين فإن قلت: فعلى هذا القول فما معنى الامتحان في الآية؟
قلت: ذهب المحققون من علماء التفسير وغيرهم في هذه القصة إلى أن داود عليه الصلاة والسّلام ما زاد على أن قال للرجل: أنزل عن امرأتك واكفلنيها، فعاتبه اللّه على ذلك ونبهه عليه وأنكر عليه شغله بالدنيا، وقيل: إن داود تمنى أن تكون امرأة أوريا له، فاتفق غزو أوريا وهلاكه في الحرب، فلما بلغ داود قتله لم يجزع عليه كما جزع على غيره من جنده، ثم تزوج امرأته فعاتبه اللّه تعالى على ذلك، لأن ذنوب الأنبياء وإن صغرت فهي عظيمة عند اللّه تعالى وقيل: إن أوريا كان قد خطب تلك المرأة ووطن نفسه عليها، فلما غاب في غزاته خطبها داود فزوجت نفسها منه لجلالته فاغتم لذلك أوريا فعاتبه اللّه تعالى على ذلك حيث لم يترك هذه الواحدة لخاطبها وعنده تسع وتسعون امرأة. ويدل على صحة هذا الوجه قوله: وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ، فدل هذا على أن الكلام كان بينهما في الخطبة، ولم يكن قد تقدم تزوج أوريا لها فعوتب داود بشيئين، أحدهما: خطبته على خطبة أخيه. والثاني: إظهار الحرص على التزوج مع كثرة نسائه. وقيل: إن ذنب داود الذي استغفر منه ليس هو بسبب أوريا والمرأة، وإنما هو بسبب الخصمين، وكونه قضى لأحدهما قبل سماع كلام الآخر، وقيل هو قوله لأحد الخصمين لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه، فحكم على خصمه بكونه ظالما بمجرد الدعوى، فلما كان هذا الحكم مخالفا للصواب اشتغل داود بالاستغفار والتوبة، فثبت بهذه الوجوه نزاهة داود عليه الصلاة والسّلام مما نسب إليه واللّه أعلم اهـ.
قوله: (و تزوجها) معطوف على مقدر صرح به غيره. أي: فأجابه الرجل ونزل له عنها وطلقها وتزوجها داود بعد انقضاء عدتها اهـ شيخنا.
قوله: وَلا تُشْطِطْ العامة على ضم التاء وسكون الشين وكسر الطاء الأولى من أشطط يشطط إشطاطا إذا تجاوز الحد. قال أبو عبيدة: شططت في الحكم وأشططت فيه إذا جرت، فهو مما اتفق فيه فعل وأفعل، وإنما فكه على أحد الجائزين كقوله: ومن يرتدد، وقد تقدم تحقيقه. وقرأ الحسن، وأبو رجاء، وابن أبي عبلة: تشطط بفتح التاء وضم الطاء الأولى من شط بمعنى أشط كما تقدم، وقرأ قتادة تشط من أشط رباعيا إلا أنه أدغم وهو أحد الجائزين كقراءة من قرأ مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ [المائدة: 54] وعنه أيضا تشطط بفتح الشين وكسر الطاء الأولى مشددة من شطط يشطط والتثقيل فيه للتكثير، وقرأ زر بن حبيش تشاطط من المفاعله اهـ سمين.
قوله: (وسط الطريق الصواب) أي: العدل.