فهرس الكتاب
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 383
المسوح حتى جلس عند قبره ثم نادى: يا أوريا. فقال: من هذا الذي قطع عليّ لذتي وأيقظني؟ قال:
أنا داود. قال: ما جاء بك يا نبي اللّه؟ قال: أسألك أن تجعلني في حل مما كان مني إليك. قال وما كان منك إليّ؟ قال: عرضتك للقتل. قال: بل عرضتني للجنة فأنت في حل. فأوحى اللّه تعالى إليه: يا داود ألم تعلم أني حكم عدل لا أقضي بالتعنت فهلا أعلمته أنك قد تزوجت امرأته. قال: فرجع فناداه فأجابه فقال: من هذا الذي قطع عليّ لذتي؟ قال: أنا داود. قال: يا نبي اللّه أليس قد عفوت عنك؟ قال: نعم، ولكن إنما فعلت ذلك بك لمكان امرأتك وقد تزوجتها. قال: فسكت ولم يجبه ودعاه مرة فلم يجبه وعادوه فلم يجبه، فقام عند قبره وجعل التراب على رأسه ثم نادى: الويل لداود إذا نصبت الموازين بالقسط سبحان خالق النور. الويل الطويل له حين يسحب على وجهه مع الخاطئين إلى النار سبحان خالق النور. فأتاه النداء من السماء: يا داود قد غفرت لك ذنبك ورحمت بكاءك واستجبت دعاءك وأقلت عثرتك. قال: يا رب كيف وصاحبي لم يعف عني. قال: يا داود أعطيه يوم القيامة من الثواب ما لم ترعيناه ولم تسمع أذناه، فأقول له رضيت يا عبدي. فيقول: يا رب من أين لي هذا ولم يبلغه عملي؟
فأقول: هذا عوض من عبدي داود فأستوهبك منه فيهبك لي، قال: يا رب الآن قد عرفت أنك قد غفرت لي، فذلك قوله: فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعًا وَأَنابَ فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ أي: الذنب وإن له عندنا أي: يوم القيامة بعد المغفرة لزلفى أي: لقربى ومكانه وحسن مآب أي: حسن مرجع ومنقلب.
قال وهب بن منبه: إن داود عليه الصلاة والسّلام لما تاب اللّه عليه بكى على خطيئته ثلاثين سنة لا برقأ دمعه ليلا ولا نهارا، وكان أصاب الخطيئة وهو ابن سبعين سنة، فقسم الدهر بعد الخطيئة على أربعة أيام يوم للقضاء بين بني إسرائيل ويوم لنسائه، ويوم يسيح في الجبال والفيافي، ويوم يخلو في دار له فيها أربعة آلاف محراب، فيجتمع إليه الرهبان فينوح معهم على نفسه ويساعدونه على ذلك، فإذا كان يوم سياحته يخرج إلى الفيافي ويرفع صوته بالمزامير، فيبكي ويبكي الشجر والرمال والطير والوحوش حتى يسيل من دموعهم مثل الأنهار، ثم يجيء إلى الجبال ويرفع صوته يبكي وتبكي معه الجبال والحجارة والطير والدواب حتى تسيل من بكائهم الأودية، ثم يجيء إلى الساحل فيرفع صوته ويبكي فتبكي معه الحيتان ودواب البحر وطين الماء، فإذا أمسى رجع فإذا كان يوم نوحه على نفسه نادى مناديه إن اليوم يوم نوح داود عل نفسه فليحضره من يساعده ويدخل الدار التي فيها المحاريب، فيبسط فيها ثلاث فرش من مسوح حشوها ليف فيجلس عليها، ويجيء بأربعة آلاف راهب عليهم البرانس وفي أيديهم العصي، فيجلسون في تلك المحاريب ثم يرفع داود عليه الصلاة والسّلام صوته بالبكاء والنوح على نفسه ويرفع الرهبان معه أصواتهم، فلا يزال يبكي حتى تغرق الفرش من دموعه، ويقع داود فيها مثل الفرخ يضطرب فيجيء ابنه سليمان فيحمله، ويأخذ داود من تلك الدموع بكفيه ويمسح بها وجهه ويقول: يا رب اغفر ما ترى فلو عدل بكاء داود ببكاء أهل الدنيا لعدله.
وعن الأوزاعي مرفوعا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إن مثل عيني داود عليه الصلاة والسّلام كالقربتين ينطفان ماء ولقد خدش الدمع في وجهه كخدش الماء في الأرض» . وقال وهب: لما تاب اللّه تعالى على داود وقال: يا رب غفرت لي فكيف لي أن لا أنسى خطيئتي فأستغفر منها وللخاطئين إلى يوم