فهرس الكتاب

الصفحة 2348 من 2941

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 390

التراب ويقولون: انظروا إلى هذا المجنون أي شيء يقول يزعم أنه سليمان، فلما رأى سليمان ذلك عمد إلى البحر، فكان ينقل الحيتان لأصحاب السوق ويعطونه كل يوم سمكتين، فإذا أمسى باع إحدى سمكتيه بأرغفة ويشوي الأخرى فيأكلها، فمكث على ذلك أربعين صباحا مدة ما كان يعبد الوثن في داره، ثم إن آصف وعظماء بني إسرائيل أنكروا حكم عدو اللّه الشيطان في تلك المدة، فقال آصف: يا معشر بني إسرائيل هل رأيتم من اختلاف حكم ابن داود ما رأيتم؟ فقالوا: نعم. فلما مضى أربعون صباحا طار الشيطان عن مجلسه، ثم مرّ بالبحر فقذف الخاتم فيه، فأخذته سمكة فأخذها بعض الصيادين، وقد عمل له سليمان صدر يومه، فلما أمسى أعطاه سمكتيه فباع سليمان أحداهما بأرغفة وبقر بطن الأخرى ليشويها فاستقبله خاتمه في جوفها، فأخذه وجعله في يده وخرّ للّه ساجدا، وعكف عليه الطير والجن، وأقبل الناس عليه، وعرف أن الذي كان دخل عليه لما كان أحدث في داره، فرجع إلى ملكه وأظهر التوبة من ذنبه، وأمر الشياطين أن يأتوه بصخر المارد فطلبوه حتى أخذوه فأتى به فأدخله جوف صخرة وسد عليه بأخرى، ثم أوثقها بالحديد والرصاص، ثم أمر به فقذف في البحر. قال القاضي عياض وغيره من المحققين: لا يصح ما نقله الإخباريون من تشبه الشيطان به وتسلطه على ملكه وتصرفه في أمته بالجور في حكمه، وأن الشياطين لا يتسلطون على مثل هذا، وقد عصم اللّه تعالى الأنبياء من مثل هذا، والذي ذهب إليه المحققون أن سبب فتنته ما أخرجاه في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال سليمان: «لأطوفن الليلة على تسعين امرأة كلهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل اللّه تعالى، فقال له صاحبه: قل إن شاء اللّه، فلم يقل إن شاء اللّه فطاف عليهم جميعا فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل، وايم اللّه الذي نفسي بيده لو قال إن شاء اللّه لجاهدوا في سبيل اللّه فرسانا أجمعون» .

وفي رواية: لأطوفن بمائة امرأة، فقال الملك: قل إن شاء اللّه، فلم يقل فنسي. قال العلماء:

والشق هو الجسد الذي ألقي على كرسيه حين عرض عليه وهي عقوبته ومحنته، لأنه لم يستثن لما استغرقه من الحرص وغلب عليه من التمني، وقيل: نسي أن يستثني، كما صح في الحديث لينفذ أمر اللّه ومراده فيه. وقيل: إن المراد بالجسد الذي ألقي على كرسيه أنه ولد له ولد فاجتمعت الشياطين، وقال بعضهم لبعض: إن عاش له ولد لم تنفك من البلاء فسبيلنا أن نقتل ولده أو نخبله فعلم بذلك سليمان فأمر السحاب فحمله فكان يريبه في السماء خوفا من الشياطين، فبينما هو مشتغل في بعض مهماته إذ ألقي ذلك الولد ميتا على كرسيه، فعاتبه اللّه على خوفه من الشياطين حيث لم يتوكل عليه في ذلك، فتنبه لخطئه فاستغفر ربه، فذلك قوله عز وجل: وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا الخ اهـ خازن.

وتقدم في الشارح أن سليمان عاش ثلاثا وخمسين سنة، وأعطي الملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وذكر العمادي أنه فتن بهذه الفتنة بعد أن مضى له في الملك عشرون سنة، وعاش بعد عوده عشرين سنة، فجملة ملكه أربعون سنة اهـ شيخنا.

وفي القرطبي: فلما توفي سليمان بعث بختنصر، فأخذ الكرسي فحمله إلى انطاكية فأراد أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت