فهرس الكتاب

الصفحة 2347 من 2941

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 389

اللّه تعالى خيرا منها وأسرع وهي الريح تجري بأمره كيف شاء

وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ ابتليناه بسلب قوله: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ أي: اختبرناه وابتليناه بسلب ملكه. وكان سبب ذلك ما روي عن وهب بن منبه قال: سمع سليمان بمدينة في جزيرة من جزائر البحر يقال لها صيدون وبها ملك عظيم الشأن، ولم يكن للناس إليه سبيل لمكانه في البحر، وكان اللّه تعالى قد آتى سليمان في ملكه سلطانا لا يمتنع عليه شيء في بر ولا بحر، وإنما يركب إليه الريح، فخرج إلى تلك المدينة تحمله الريح على ظهر الماء حتى نزل بها بجنوده من الجن والإنس فقتل ملكها وأصاب فيها، وأصاب فيما أصاب بنتا لذلك الملك يقال لها جرادة لم ير مثلها حسنا وجمالا فاصطفاها لنفسه ودعاها إلى الإسلام، فأسلمت على جفاء منها وقلة فقه وأحبها حبا لم يحب مثله أحدا من نسائه، وكانت على منزلتها عنده لا يذهب حزنها ولا يرقأ دمعها، فشق ذلك على سليمان فقال لها: ويحك ما هذا الحزن الذي لا يذهب والدمع الذي لا يرقأ؟ قالت: إن أبي أذكر ملكه وما كان فيه وما أصابه فيحزنني ذلك، فقال سليمان: فقد أبدلك اللّه به ملكا هو أعظم من ذلك. قالت: إن ذلك كذلك، ولكني إذا ذكرته أصابني ما ترى من الحزن، فلو أنك أمرت الشياطين فصوروا لي صورته في داري التي أنا فيها أراها بكرة وعشية لرجوت أن يذهب ذلك حزني وأن يسلي عني بعض ما أجد في نفسي، فأمر سليمان الشياطين فقال: مثلوا لها صورة أبيها في دارها حتى لا تنكر منه شيئا فمثلوه لها حتى نظرت إلى أبيها بعينه إلا أنه لا روح فيه فعمدت إليه حين صنعوه، فألبسته ثيابا مثل ثيابه التي كان يلبسها، ثم كانت إذا خرج سليمان من دارها تغدو عليه في ولائدها أي: جواريها فتسجد له ويسجدون له كما كانت تصنع في ملكه، أي: أبيها وتروح في كل عشية بمثل ذلك وسليمان لا يعلم بشيء من ذلك أربعين صباحا، وبلغ ذلك إلى آصف بن برخيا وكان صديقا له، وكان لا يرد عن أبواب سليمان أية ساعة أراد دخول شيء من بيوته دخل سواء كان سليمان حاضرا أو غائبا، فأتاه فقال: يا نبي اللّه إن غير اللّه يعبد في دارك منذ أربعين صباحا في هوى امرأة، فقال سليمان: في داري؟ قال: في دارك. قال: فإنا للّه وإنا إليه راجعون، ثم رجع سليمان إلى داره فكسر ذلك الصنم وعاتب تلك المرأة وولائدها، ثم أمر بثياب الظهيرة فأتى بها وهي ثياب لا يغزلها إلا الأبكار ولا ينسخها إلا الأبكار ولا يغسلها إلا الأبكار لم تمسها يد امرأة قد رأت الدم فلبسها، ثم خرج إلى فلاة من الأرض وحده وأمر برماد ففرش له، ثم أقبل تائبا إلى اللّه تعالى حتى جلس على ذلك الرماد وتمعك به في ثيابه تذللا إلى اللّه تعالى وتضرعا إليه يبكي ويدعو ويستغفر مما كان في داره، فلم يزل كذلك يومه حتى أمسى. ثم رجع إلى داره وكانت له أم ولد يقال لها الأمينة، كان إذا دخل الخلاء أو أراد إصابة امرأة من نسائه وضع خاتمه عندها حتى يتطهر، وكان لا يمس خاتمه إلا وهو طاهر، وكان ملكه في خاتمه فوضعه يوما عندها، ثم دخل مذهبه فأتاها شيطان اسمه صخر المارد بن عمير في صورة سليمان لا تنكر منه شيئا، فقال: هات خاتمي يا أمينة فناولته إياه، فجعله في يده ثم خرج حتى جلس على سرير سليمان وعكفت عليه الطير والوحش والجن والأنس، وخرج سليمان فأتى الأمينة وقد تغيرت حالته وهيئته عند كل من رآه، فقال: يا أمينة خاتمي. قال: من أنت؟ قال: سليمان بن داود، فقالت: كذبت قد جاء سليمان وأخذ خاتمه وهو جالس على سرير ملكه، فعرف سليمان أن خطيئته قد أدركته فخرج وجعل يقف على الدار من دور بني إسرائيل، ويقول: أنا سليمان بن داود فيحثون عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت