فهرس الكتاب
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 408
مِنْ طِينٍ (76)
قالَ فَاخْرُجْ مِنْها أي من الجنة وقيل من السماوات فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (77) مطرود
وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ (78) الجزاء
قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (79) أي الناس
قالَ فَإِنَّكَ مِنَ وعبارة أبو السعود: ولقد أخطأ اللعين حيث خص الفضل بما هو من جهة المادة والعنصر، وغاب عنه ما هو من جهة الفاعل كما أنبأ عنه قوله تعالى: لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ وما هو من جهة الصورة كما أنبأ عنه قوله: وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [الحجر: 29] وما هو من جهة الغاية وهو ملاك الأمر، ولذلك أمر الملائكة بالسجود له عليه السّلام حين ظهر لهم أنه أعلم منهم بما يدور عليه أمر الخلافة في الأرض وإنها ليست لغيره، انتهت.
قوله: (أي من الجنة الخ) هذا الخلاف مبني على خلاف آخر، وهو أن الأمر بالسجود لآدم كان بعد دخوله الجنة أو قبله، فقوله: (هنا) أي: من الجنة مبني على القول الأول، وقوله: (و قيل من السموات) مبني على الثاني. وفي الكرخي: وقيل اخرج من الخلقة التي كنت عليها أولا وانسلخ منها، لأنه كان يفتخر بخلقته فغير اللّه خلقته فاسود بعد ما كان أبيض وقبح بعد ما كان حسنا، وأظلم بعد ما كان نورانيا. وهذا يدل على أنه لم يكن كافرا حين كان بين الملائكة، ولأن اللّه سبحانه وتعالى لم يحك عنه إلا الاستكبار عن السجود، فهذا دليل على أنه صار كافرا حين لم يسجد؛ ذكره الطيبي اهـ.
وفي تحفة العارفين ما نصه: وكان إبليس رئيسا على اثني عشر ألف ملك، وكان له جناحان من زمرد أخضر، فلما طرد غيرت صورته وجعله اللّه منكوسا على مثال الخنازير ووجهه كالقردة، وهو شيخ أعور كوسج، وفي لحيته سبع شعرات مثل شعر الفرس، وعيناه مشقوقتان في طول وجهه، وأنيابه خارجة كأنياب الخنازير، ورأسه كرأس البعير، وصدره كسنام الجمل الكبير، وشفتاه كشفتي الثور، ومنخراه مفتوحتان مثل كور الحجام اهـ.
قوله: فَإِنَّكَ رَجِيمٌ الخ فإن قلت: إذا كان الرجم بمعنى الطرد وكذلك اللعنة لزم التكرار، فما الفرق؟ قلت: الفرق يحصل بحمل الرجم على الطرد من الجنة أو السماء وبحمل اللعنة على معنى الطرد من الرحمة فيكون أبلغ، ويحصل الفرق ويزول التكرار اهـ خازن.
قوله: وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي قال ذلك في سورة الحجر بتعريف الجنس ليناسب ما قبله من التعبير بالجنس في قوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ* وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ [الحجر: 27] وقال هنا:
وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي بالإضافة ليناسب ما قبله من قوله: لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ اهـ زكريا في متشابه القرآن.
وعبارة أبي السعود: وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي أي: إبعادي عن الرحمة وتقييدها بالإضافة مع إطلاقها في قوله: (و إن عليك اللعنة) لما أن لعنة اللاعنين من الملائكة والثقلين أيضا من جهته تعالى، وإنهم يدعون عليه بلعنة اللّه وإبعاده عن الرحمة اهـ.
وعبارة السمين: وقال هنا لعنتي وفي غيرها اللعنة، وهما وإن كانا في اللفظ عاما وخاصا إلا أنهما من حيث المعنى عاما بطريق اللازم، لأن من كانت عليه لعنة اللّه كانت عليه لعنة كل أحد لا محالة. وقال تعالى: أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [البقرة: 16] اهـ.
قوله: إِلى يَوْمِ الدِّينِ فإن قلت: كلمة إلى لانتهاء الغاية فتقتضي انقضاء اللعنة عنه عند مجيء