فهرس الكتاب
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 498
فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ المعجزات الظاهرات فَرِحُوا أي الكفار بِما عِنْدَهُمْ أي الرسل مِنَ الْعِلْمِ فرح استهزاء وضحك منكرين له وَحاقَ نزل بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (83) أي العذاب
فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا أي شدة عذابنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (84)
فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللَّهِ نصبه على المصدر بفعل مقدر من قوله أيضا: فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ما الأولى نافية أو استفهامية منصوبة بأغنى، والثانية موصولة أو مصدرية مرفوعة به أي: لم يغن عنهم أو أي شيء أغنى عنهم مكسبهم أو كسبهم اهـ أبو السعود.
قوله: فَرِحُوا أي: الكفار بما عندهم أي: الرسل من العلم فرح استهزاء وضحك إذ لم يأخذوه بالقبول ويمتثلوا أوامر اللّه ونواهيه. قال الزمخشري: كأنه قال استهزؤوا بالبينات وبما جاؤوا به من علم الوحي فرحين مرحين، ويدل عليه قوله تعالى: وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ وهذا أحد الأوجه في الآية، والثاني فرح الرسل عند استهزاء الكفار بهم مع كفرهم وسوء غفلتهم وما يلحقهم من العقوبة على جهلهم وإعراضهم، ففرحوا بما أوتوا من العلم وشكروا اللّه حيث لم يكونوا مثلهم، وهذا أظهر من الأول، وقيل: فرح الكفار بما عندهم أي عند أنفسهم من العلم، وعليه، فالمراد بالعلم علم عقائدهم الزائغة وشبههم الداحضة قاله القاضي إشارة إلى أن المراد بالعلم هنا ما يعلم العلم الواقع في قوله تعالى: بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ [النمل: 66] وغيره لا ذلك بعينه كما هو ظاهر كلام الزمخشري إذ لا مخصص اهـ كرخي.
قوله: (أي العذاب) تفسير لما كانوا به يستهزئون، فإن الرسل كانوا يعدونهم بنزول العذاب عليهم في الدنيا لو لم يؤمنوا فيستهزئون بالعذاب الموعود به، كما في قوله تعالى: وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَ [الأنفال: 32] الآية اهـ شيخنا.
قوله: فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا أي: في الدنيا. قوله: بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ وهو الأصنام.
قوله: فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ يجوز رفع إيمانهم اسما لكان، وجملة ينفعهم خبر مقدم، ويجوز أن يرتفع بأنه فاعل ينفعهم وفي كان ضمير الشأن، وقد تقدم لك هذا محققا في قوله: ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ [الأعراف: 137] وأنه لا يكون من باب التنازع فعليك بالالتفات إليه، ودخل حرف النفي على الكون لا على النفع لأنه بمعنى لا يصح ولا ينبغي كقوله: ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ [مريم: 35] اهـ سمين.
قوله: (نصبه على المصدر الخ) ويجوز أن يكون منصوبا على التحذير أي: احذروا سنة اللّه في المكذبين التي قد خلت في عباده اهـ سمين.
وقوله: (بفعل مقدر) أي سن تعالى بهم سنة من قبلهم، أي: أجراهم على عادته وسننه في الأمم الماضية، وقوله: (أن لا ينفعهم الإيمان) تفسير لسنته وعادته اهـ شيخنا.