الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 40
وَأوحى إِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ فاعل الإيحاء الْعَزِيزُ في ملكه الْحَكِيمُ (3) في صنعه
لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ملكا وخلقا وعبيدا وَهُوَ الْعَلِيُ على خلقه الْعَظِيمُ (4) الكبير
تَكادُ بالتاء والياء السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ بالنون، وفي قراءة بالتاء والتشديد مِنْ فَوْقِهِنَ أي قوله: كَذلِكَ الخ كلام مستأنف وارد لتحقيق أن مضمون السورة موافق لما في تضاعيف سائر الكتب المنزلة على الرسل المتقدمة في الدعوة إلى التوحيد والإرشاد إلى الحق. أي: مثل ما في هذه السورة من المعاني أوحي إليك أوحي إلى سائر الرسل اهـ أبو السعود.
والكاف في محل نصب على المفعولية المطلقة، فقوله: أي مثل بالنصب، وقوله: يوحي استعمل المضارع في حقيقته ومجازه فهو مستعمل في المستقبل بالنظر لما لم ينزل عليه من القرآن إذ ذاك، وفي الماضي بالنظر لما أنزل بالفعل وبالنظر لما أنزل على الرسل السابقين، وقد أشار الشارح لهذا بقوله: وأوحي إلى الذين من قبلك هذا والمشبه به في كذلك هو هذه السورة أي؛ كما أوحي إليك هذه السورة يوحي إليك غيرها من القرآن، ويوحي إلى الذين من قبلك الكتب القديمة، ووجه الشبه أن الموحى به في الكل يرجع لأمور ثلاثة: التوحيد والنبوة والبعث، فهذا القدر موجود في القرآن وفي غيره من الكتب اهـ شيخنا.
وفي زاده: ووجه المشابهة الاشتراك في الدعوة إلى التوحيد والنبوة والمعاد وتقبيح أحوال الدنيا والترغيب في أمور الآخرة اهـ.
وفي السمين: كذلك يوحي الخ جمهور القراء على يوحي بالياء من أسفل مبنيا للفاعل وهو اللّه تعالى، والعزيز الحكيم نعتان، والكاف منصوبة المحل إما نعتا لمصدر أو حالا من ضميره أي يوحي إيحاء مثل ذلك الإيحاء، وقرأ ابن كثير ويروى عن أبي عمر ويوحى بفتح الحاء مبنيا للمفعول. وفي القائم مقام الفاعل ثلاثة أوجه، أحدها: ضمير مستتر يعود على كذلك لأنه مبتدأ والتقدير مثل ذلك الإيحاء يوحي هو إليك، فمثل ذلك: مبتدأ، ويوحي هو إليك: خبره. الثاني: أن القائم مقام الفاعل إليك والكاف منصوب المحل على الوجهين المتقدمين. الثالث: أن القائم مقام الفاعل الجملة من قول اللّه العزيز أي يوحي إليك هذا اللفظ، وأصول البصريين لا تساعد عليه لأن الجملة لا تكون فاعلا ولا قائمة مقامه. وقرأ أبو حيوة، والأعمش، وأبان: نوحي بالنون وهي موافقة للعامة، ويحتمل أن تكون الجملة من قوله: اللّه العزيز منصوبة المحل مفعولة بنوحي أي نوحي إليك هذا اللفظ، إلا أن فيه حكاية الجمل بغير القول الصريح، ويوحى على اختلاف قراءاته يجوز أن يكون على بابه من الحال أو الاستقبال فيتعلق قوله: وإلى الذين من قبلك بمحذوف لتعذر ذلك تقديره وأوحي إلى الذين، وأن يكون بمعنى الماضي وجيء به على صورة المضارع لغرض وهو تصوير الحال اهـ.
قوله: (فاعل الإيحاء) هذا على قراءة كسر الحاء مبنيا للفاعل، وأما على قراءة فتحها مبنيا للمفعول فنائب الفاعل الظرف وهو إليك، وقوله: اللّه فاعل بفعل محذوف كأنه قيل: من يوحيه؟
فقيل: اللّه يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ* رِجالٌ [النور: 36] اهـ سمين.
قوله: (بالنون) أي بعد الياء، وقوله: بالتاء أي: بعد الياء، وقوله: والتشديد أي: تشديد الطاء