الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 65
البعض على الكل وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) يتجاوزون
وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ أجابوه إلى ما دعاهم إليه من التوحيد والعبادة وَأَقامُوا الصَّلاةَ أداموها وَأَمْرُهُمْ الذي يبدو لهم شُورى بَيْنَهُمْ سورتين، والمفرد هنا في معنى الجمع، والرسم يحتمل القراءتين اهـ سمين.
قوله: (موجبات الحدود) فعطفها من عطف الخاص على العام إذ الكبائر قد لا توجب الحد كالغيبة والنميمة وهذا ما أراده بقوله من عطف البعض على الكل اهـ شيخنا.
قوله: وَإِذا ما غَضِبُوا إذا هذه منصوبة بيغفرون، ويغفرون خبر لهم، والجملة بأسرها عطف على الصلة وهي يجتنبون، والتقدير: والذين يجتنبون وهم يغفرون عطف اسمية على فعلية، ويجوز أن يكون هم توكيدا للفاعل في قوله: غضبوا، وعلى هذا فيغفرون جواب الشرط، وقال أبو البقاء: هم مبتدأ ويغفرون الخبر، والجملة جواب إذا وهذا غير صحيح لأنه لو كان جوابا لإذا لأقترن بالفاء تقول:
إذا جاء زيد فعمرو ينطلق ولا يجوز عمرو ينطلق، وقيل: هم مرفوع بفعل مقدر يفسره يغفرون بعده، ولما حذف الفعل انفصل الضمير ولم يستبعده الشيخ اهـ سمين.
قوله: وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ الخ نزلت في الأنصار دعاهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الإيمان فاستجابوا له اهـ بيضاوي.
وفي القرطبي: وهم الأنصار بالمدينة استجابوا إلى الإيمان بالرسول حين أنفذ إليهم اثني عشر نقيبا منهم قبل الهجرة، وأقاموا الصلاة أي: أدوها بشروطها وهيئاتها اهـ.
قوله: وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ إدخال هذه الجملة لعله لمزيد الاهتمام بشأن التشاور، وللمبادرة إلى التنبيه على أن استجابتهم إلى الإيمان كانت عن بصيرة ورأي سديد اهـ كرخي.
وفي قرطبي: وأمرهم شورى بينهم أي: يتشاورون في الأمور، والشورى مصدر شاورته مثل البشرى، فكانت الأنصار قبل قدوم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إذا أرادوا أمرا تشاوروا فيه ثم عملوا عليه، فمدحهم اللّه تعالى به قاله النقاش. قال الحسن: أي أنهم لانقيادهم إلى الرأي في أمورهم متفقون لا يختلفون فمدحوا باتفاق كلمتهم قال الحسن: ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمورهم، وقال الضحاك: هو تشاورهم حين سمعوا بظهور رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وورود النقباء إليهم حين اجتمع رأيهم في دار أبي أيوب على الإيمان به والنصرة له، وقيل: تشاورهم فيما يعرض لهم فلا يستأثر بعضهم برأي دون بعض، وقال ابن العربي: الشورى ألفة للجماعة وسبار للعقول وسبب إلى الصواب، وما تشاور قوم قط إلا هدوا، فمدح اللّه تعالى المشاورة في الأمور بمدح القوم الذين كانوا يمتثلون ذلك. وقد كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يشاور أصحابه في الآراء المتعلقة بمصالح الحروب وذلك في الآراء كثير، ولم يكن يشاورهم في الأحكام لأنها منزلة من عند اللّه على جميع الأقسام من الفرض والندب والمكروه والمباح والحرام: فأما الصحابة بعده صلّى اللّه عليه وسلّم فكانوا يتشاورون في الأحكام ويستنبطونها من الكتاب والسنة، وأول ما تشاور فيه الصحابة الخلافة، فإن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم ينص عليها حتى كان فيها بين أبي بكر والأنصار ما سبق بيانه، وقال عمر: نرضى لدنيانا ما رضيه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لديننا، وتشاوروا في أهل الردة فاستقر رأي أبي بكر على القتال، واختلفوا في الجد وميراثه وفي حد الخمر وعدده، وتشاوروا بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في الحروب حتى شاور عمر