الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 66
يتشاورون فيه ولا يعجلون وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ أعطيناهم يُنْفِقُونَ (38) في طاعة اللّه ومن ذكر صنف
وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ الظلم هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39) صنف أي ينتقمون ممن ظلمهم بمثل ظلمه كما قال الهرمزان حين وفد عليه مسلما من المغازين، فقال الهرمزان: مثلها ومثل من فيها من الناس مثل طائر له رأس وله جناحان ورجلان، فإن كسر أحد الجناحين نهضت الرجلان بجناح والرأس، وإن كسر الجناح الآخر نهضت الرجلان والرأس وإن شدخ الرأس ذهب الرجلان والجناحان، والرأس كسرى والجناح الواحد قيصر، والآخر فارس، فمر المسلمين فلينفروا إلى كسرى وذكر الحديث. وقال بعض العلماء:
ما أخطأت قط إذا أحزبني أمر فشاورت قومي ففعلت الذي يرون، فإن أصبحت فهم المصيبون وإن أخطأت فهم المخطئون. وروى الترمذي عن أبي هريرة قال: رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إذا كان أمراؤكم خياركم وأغنياؤكم سمحاءكم وأمركم شورى بينكم فظهر الأرض خير لكم من بطنها، وإن كان أمراؤهم شراركم وأغنياؤكم بخلاءكم وأموركم إلى نسائكم فبطن الأرض خير لكم من ظهورها» قال: حديث غريب اهـ.
قوله: (و لا يعجلون) من باب طرب. قوله: (من ذكر صنف) الذي ذكره هو المؤمنون المتصفون بالصفات المتقدمة، لكن المراد خصوص اتصافهم بقوله: وإذا ما غضبوا هم يغفرون بدليل عبارة الخازن ونصها: قال ابن زيد: جعل اللّه المؤمنين صنفين صنف يعفون عمن ظلمهم فبدأ بذكرهم بقوله:
وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ وصنف ينتقمون من ظالمهم وهم الذي ذكرهم في قوله: وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ اهـ.
قوله: هُمْ يَنْتَصِرُونَ هذا في الأعراف كقوله: وإذا ما غضبوا هم يغفرون سواء فيجيء فيه ما تقدم إلا أنه هنا أن يجوز أن يكون هم توكيدا للضمير المنصوب في أصابهم أكد بالضمير المرفوع وليس فيه إلا الفصل بين المؤكد والمؤكد بالفاعل، والظاهر أنه ممنوع اهـ سمين.
قوله: (كما قال تعالى الخ) يعني أن الأنتصار مشروط برعاية المماثلة كما قال تعالى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ الخ، ثم لما بين تعالى الأنتصار مشروع، وبيّن شرط مشروعيته أشار إلى أنه غير مرغوب فيه وغير ممدوح، بل الممدوح شرعا هو العفو كما قال تعالى: فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ الخ اهـ من الخطيب.
وفي القرطبي: والذين إذا أصابهم البغي أي: أصابهم بغي المشركين. قال ابن عباس: وذلك أن المشركين بغوا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وعلى أصحابه وآذوهم وأخرجوهم من مكة، فأذن اللّه لهم بالخروج ومكّن لهم في الأرض ونصرهم على من بغى عليهم، وذلك في قوله في سورة الحج: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا إِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ [الحج: 39] الآيات كلها.
وقيل: هو عام في بغي كل باغ من كافر وغيره أي: إذا انالهم ظلم من ظالم لم يستسلموا لظلمه وهذا إشارة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود. قال ابن العربي: ذكر اللّه الانتصار في البغي في معرض المدح، وذكر العفو عن الجرم في موضع آخر في معرض المدح، فاحتمل أن يكون أحدهما رافعا للآخر، واحتمل أن يكون ذلك راجعا إلى حالتين، إحداهما: أن يكون الباغي معلنا بالفجور مؤذيا للصغير والكبير فيكون الانتقام منه أفضل قال: وفي مثله. قال إبراهيم النخعي: كانوا