الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 115
الحرام
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ هي ليلة القدر، أو ليلة النصف من شعبان، نزل فيها من أم يجوز أن يكون المراد به القرآن، واقتصر على ذلك البيضاوي، وتبعه الجلال المحلي، وعلى هذا فقد أقسم بالقرآن أنه أنزل القرآن في ليلة مباركة، وهذا النوع من الكلام يدل على غاية تعظيم القرآن، فقد يقول الرجل إذا أراد تعظيم الرجل له إليه حاجة: أتشفع بك إليك وأقسم بحقك عليك وجاء في الحديث: «أعوذ برضاك من سخطك وبعفوك من عقوبتك وبك منك لا أحصي ثناء عليك» اهـ.
قوله: إِنَّا أَنْزَلْناهُ يجوز أن يكون جواب القسم وأن يكون اعتراضا، والجواب قوله: إنا كنا منذرين، واختاره ابن عطية وقيل: إنا كنا مستأنف أو جواب ثان من غير عاطف اهـ سمين.
وفي الكرخي: قوله: إنا أنزلناه قال الزمخشري وغيره: هذا جواب القسم، وقال ابن عطية: هو اعتراض متضمن تفخيم الكتاب، والجواب إنا كنا منذرين، ورجح الأول بالسبق بكونه من البدائع وبسلامته من الفك اللازم لما اختاره ابن عطية، فإن قوله: فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ من بقية الاعتراض وقد تخلل بينهما المقسم عليه اهـ.
قوله: (هي ليلة القدر الخ) عبارة الخطيب: اختلف في قوله تعالى: في ليلة مباركة فقال قتادة، وابن زيد، وأكثر المفسرين هي ليلة القدر، وقال عكرمة، وطائفة أنها ليلة البراءة، وهي ليلة النصف من شعبان. واحتج الأولون بوجوه، الأول: قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر: 1] فقوله تعالى: إنا أنزلناه في ليلة مباركة يجب أن تكون هي تلك الليلة المسماة بليلة القدر لئلا يلزم التناقض.
ثانيها: قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [البقرة: 185] فقوله تعالى هنا إنا أنزلناه في ليلة مباركة يجب أن تكون هذه الليلة المباركة في رمضان، فثبت أنها ليلة القدر. ثالثها: قوله تعالى:
في صفة ليلة القدر: تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ [القدر: 4] وقال تعالى هنا:
فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ، وقال ههنا: رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ، وقال تعالى في ليلة القدر: سَلامٌ هِيَ [القدر: 5] وإذا تقاربت الأوصاف وجب القول بأن إحدى الليلتين هي الأخرى. رابعها: نقل محمد بن جرير الطبري في تفسيره عن قتادة أنه قال: نزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، والتوراة بست ليال منه، والزبور لاثنتي عشرة ليلة مضت منه، والقرآن لأربع وعشرين ليلة مضت من رمضان، والليلة المباركة هي ليلة القدر. خامسها: أن ليلة القدر إنما سميت بهذا الاسم لأن قدرها وشرفها عند اللّه عظيم ومعلوم أن قدرها وشرفها ليس بسبب نفس الزمان، لأن الزمان شيء واحد من الذات والصفات، فيمتنع كون بعضه أشرف من بعض لذاته، فثبت أن تشريفه وقدره بسبب أنه حصل فيه أمور شريفة لها قدر عظيم، ومن المعلوم أن منصب الدين أعظم من مناصب الدنيا وأعظم الأشياء وأشرفها شعبا في الدين هو القرآن. لأنه ثبت به نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، وبه ظهر الفرق بين الحق والباطل، كما قال تعالى في صفته: وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ [المائدة: 48] وبه ظهرت درجات أرباب السعادات ودركات أرباب الشقاوات، فعلى هذا لا شيء إلا والقرآن أعظم منه قدرا وأعلى ذكرا وأعظم منصبا، وحيث أطبقوا على أن ليلة القدر هي التي وقعت في رمضان علمنا أن القرآن إنما أنزل في تلك الليلة وهذا أدلة ظاهرة واضحة. واحتج الآخرون على أنها ليلة النصف من شعبان بوجوه، أولها: أن لها أربعة أسماء الليلة المباركة، وليلة البراءة، وليلة الصك، وليلة الرحمة. ثانيها: أنها مختصة بخمس خصال، الأولى: قوله