فهرس الكتاب

الصفحة 2576 من 2941

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 119

الدخان بين السماء والأرض

يَغْشَى النَّاسَ فقالوا هذا عَذابٌ أَلِيمٌ (11)

رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا وجمعه دواخن كعثان وعواثن على غير قياس، ودخنت النار ارتفع دخانها وبابه دخل وخضع وأدخنت مثله، ودخنت النار إذا فسدت بالقاء الحطب عليها حتى هاج دخانها، ودخن الطبيخ إذا تدخنت القدر وبابها طرب اهـ.

وفي القاموس: والدخان كغراب وجبال ورمان الغبار والجمع أدخنة ودواخن ودواخين اهـ.

قوله: (كهيئة الدخان بين السماء والأرض) هذا هو المراد بالدخان هنا وهو أحد أقوال ثلاثة ذكرها المفسرون.

أحدها: أن الدخان هو ما أصاب قريشا من الجوع بدعاء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، حتى كان الرجل يرى بين السماء والأرض دخانا، فلما اشتد عليهم الجهد جاءه أبو سفيان فقال: يا محمد جئت تأمر بصلة الرحم وإن قومك قد هلكوا فادع اللّه أن يكشف عنهم، وهذا قول ابن عباس، ومقاتل، ومجاهد، واختيار الفراء، والزجاج، وهو قول ابن مسعود وكان ينكر أن يكون الدخان غير هذا الذي أصابهم من شدة الجوع كالظلمة في أبصارهم.

القول الثاني: ونقل عن علي وابن عباس أيضا وابن عمر، وأبي هريرة، وزيد بن علي، والحسن: أنه دخان يظهر في العالم في آخر الزمان يكون علامة على قرب الساعة يملأ ما بين المشرق والمغرب، وما بين السماء والأرض يمكث أربعين يوما وليلة، أما المؤمن فيصيبه كالزكام، وأما الكافر فيصير كالسكران فيملأ جوفه ويخرج من منخريه وأذنيه ودبره، وتكون الأرض كلها كبيت أوقدت فيه النار.

القول الثالث: أنه الغبار الذي ظهر يوم فتح مكة من ازدحام الإسلام حتى حجب الأبصار عن رؤية السماء قاله عبد الرحمن الأعرج، واحتج الأولون بأنه تعالى حكى عنهم قولهم: رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ [الدخان: 12] ثم عللوا ذلك فقالوا: إنا مؤمنون أي: عريقون في وصف الإيمان، فإذا حمل على القحط الذي وقع بمكة استقام، فإنه نقل أن الأمر لما اشتد على أهل مكة مشى إليه أبو سفيان فناشده اللّه والرحم، وواعده إن دعا لهم وأزال عنهم تلك البلية أن يؤمنوا به، فلما أزالها اللّه عنهم رجعوا إلى شركهم. أما إذا حمل على أن المراد منه ظهور علامة من علامات القيامة لم يصح ذلك لأن عند ظهور علامات القيامة لا يمكنهم أن يقولوا: ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون، ولم يصح أيضا أن يقال: إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون اهـ ملخصا من الخطيب والقرطبي.

وقوله: مشى إليه أبو سفيان الخ أي: في مكة قبل الهجرة، وقوله: فلما أزالها اللّه عنهم أي:

بإجابة دعائه صلّى اللّه عليه وسلّم لهم، فدعا له بالمطر فنزل واستمر عليهم سبعة أيام تضرروا من كثرته، فجاءه أبو سفيان وطلب منه أن يدعو برفعه فدعا فارتفع. وهذه القصة نظيرة القصة التي وقعت له بالمدينة حيث استسقى لهم فدام عليهم سبعة أيام ثم طلبوا رفعه فدعا به فارتفع هكذا حققه ابن حجر في شرح البخاري، ومثله الكرماني فتأمل.

قوله: يَغْشَى النَّاسَ صفة ثانية للدخان، والمراد بهم قريش وأمثالهم ممن أصابه الجدب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت