فهرس الكتاب
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 143
إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ أي لبغي حدث بينهم حسدا له إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (17)
ثُمَّ جَعَلْناكَ يا محمد عَلى شَرِيعَةٍ طريقة مِنَ الْأَمْرِ أمر الدين فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (18) في عبادة غير اللّه
إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا يدفعوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ من عذابه شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ الكافرين بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (19) المؤمنين
هذا القرآن بَصائِرُ لِلنَّاسِ معالم يتبصرون بها في الأحكام والحدود وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ قوله: يَقْضِي بَيْنَهُمْ أي: بالمؤاخذة والمجازاة اهـ كرخي.
قوله: ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ ثم للاستئناف والكاف مفعول أول لجعل، وقوله: على شريعة هو المفعول الثاني، والشريعة في الأصل ما يرده الناس من المياه والأنهار يقال لذلك الموضع شريعة، والجمع شرائع فاستعير ذلك للدين لأن العباد يردون ما تحيا به نفوسهم اهـ سمين.
وفي القرطبي: ثم جعلناك على شريعة من الأمر الشريعة في اللغة المذهب والملة، ويقال لمشرعة الماء وهي مورد الشاربة شريعة ومنه الشارع لأنه طريق إلى القصد، فالشريعة ما شرعه اللّه لعباده من الدين والجمع الشرائع، والشرائع في الدين المذاهب التي شرعها اللّه لخلقه، والمعنى ثم جعلناك على شريعة أي: على هدى من الأمر أي: على منهاج واضح من أمر الدين شرع بك إلى الحق، وقال ابن عباس: على شريعة أي: على هدى من الأمر، وقال قتادة: الشريعة الأمر والنهي والحدود والفرائض البينة لأنها طريق إلى الحق، وقال الكلبي: السنة لأنه يستن بطريقة من قبله من الأنبياء، وقال ابن زيد: الدين لأنه طريق إلى النجاة. وقال ابن العربي: والأمر يرد في اللغة بمعنيين، أحدهما:
بمعنى الشأن كقوله: فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ [هود: 97] والثاني: أحد أقسام الكلام الذي يقابله النهي، وكلاهما يصح أن يكون مرادا هنا، وتقديره: ثم جعلناك على طريقة من الدين وهي ملة الإسلام كما قال تعالى: ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل: 123] ولا خلاف أن اللّه تعالى يغاير بين الشرائع في التوحيد والمكارم والمصالح، وإنما خالف بينها في الفروع حسب ما علمه سبحانه وتعالى اهـ.
قوله: أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ وهم رؤساء قريش، قالوا ارجع إلى دين آبائك فإنهم كانوا أفضل منك وأسن قاله الكلبي، فنزلت هذه الآية وهي قوله: ثُمَّ جَعَلْناكَ الخ اهـ كرخي.
قوله: إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ الخ تعليل للنهي عن اتباع أهوائهم أي: إن اتبعت أهواءهم وملت إلى أديانهم الباطلة صرت مستحقا للعذاب بسببهم وهم لا يقدرون على دفع شيء مما أراد اللّه بك من العذاب إن اتبعت أهواءهم، ثم بين أن الظالمين يتولى بعضهم بعضا في الدنيا ولا ولي لهم في الآخرة يزيل العقاب عنهم، وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها فتكون من تتمة العلة للنهي المذكور، لأن بيان أن ولي الظالمين هو ظالم مثلهم بيان أن مثلك لا يوالي ظالما فكيف تتبعه اهـ زاده.
قوله: أَوْلِياءُ بَعْضٍ أي: لأن الجنسية علة الانضمام اهـ كرخي.
قوله: هذا مبتدأ، وبصائر خبره، وجمع الخبر باعتبار ما في المبتدأ من تعدد الآيات والبراهين اهـ سمين.